الأربعاء، 24 يونيو 2020

ما كنت أحسب أني سأرثيك

            

 سئل الإمام علي ( ع ) : أهناك أشد من الموت ؟ قال : نعم ، فراق الأحبة ! كم هو مؤلم و قاصم للظهور فقدان الأحبة ! فقدانهم كربة و غربة ، إنه انقطاع الأرواح الغالية التي تبعث في النفوس الأمل و الانشراح .  نتذكر فراق يعقوب ( ع ) لابنه يوسف ( ع ) حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم . فقبيل عيد الفطر فارقنا الحاج علي حسن سلمان الحرز إلى دار الآخرة مأسوفاً عليه في زمن عز عليه وداع أهله و محبيه !
       ولد - رحمه الله – في الهفوف عام 1382 ، و عاش طفولته الأولى في حي الفاضلية ، و قبيل دخوله المدرسة انتقل والده - رحمه الله – إلى الدمام ، فدرس في مدرسة القدس الابتدائية في حي الخليج ، و لم يكمل المرحلة المتوسطة لظرف ما   ، و رغبته  في مساعدة والده في منجرته . و بعد أن شب عن الطوق  أتقن النجارة و تزوج ثم فتح منجرة خاصة به .
      عاش - رحمه الله – مكافحاَ مجاهداً تعلم في مدرسة الحياة كيف يكون رقماً صعباً فيها ، فكان نسيج وحده يحب المغامرة و البحر و تجربة الأشياء ، فترك منجرته و فتح ورشة تشليح سيارات ، و عمل فيها بضعة سنوات ، و بعد تقدم سنه أراد أن يكون قريباً من عائلته ، فاشتغل معقباً في مكتب خدمات عامة و تعقيب ، فكان نعم الموظف المجد يصحو مع بواكير الصباح ، ثم يذهب لمراجعة الدوائر الحكومية ، يقف في طوابيرها ساعات طويلة إلى الظهر فاكتسب خبرات جديدة علمته أن الحياة عقيدة و جهاد و صبر و كفاح .
      كان باراً بوالديه - رحمهما الله - مجاوراً لهما في السكن إلى حين وفاتهما في سيهات  .  كان اجتماعياً محباً و محبوباً من الجميع يتواصل معهم في الأفراح و الأحزان مهما بعدت  الشقة و قصرت به الأحوال .
وجه عليه من الحياء سكينة
      و محبة تجري مع الأنفاس
و إذا أحب الله يوماً عبده
        ألقى عليه محبة في الناس
       كان من المؤمنين الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، و ما بدلوا تبديلا في موالاتهم لأهل البيت ( ع ) فمنذ نعومة أظفاره كان خادماً لسيد الشهداء ( ع ) في مأتم أهله مجلس الأئمة المعصومين ( ع ) ، ثم في مجلس قمر بني هاشم ( ع ) فكان يتحامل على صحته ، يبقى واقفاً لاستقبال المستمعين و ضيافتهم ، وفي سنواته العشر الأخيرة كان يشد الرحال لكربلاء ، و هو من القائمين على مضيف الأوحد فيها فاستحق بذلك شرف خدمة الحسين ( ع ) .
        سألت عضيده و جاره و صديقه أحمد و ابنه  حسين ماذا تعلمتما منه ؟ فقالا : تعلمنا منه الطيبة و حسن الأخلاق ، و مساعدة المحتاجين و الأيتام ، و خدمة الحسين ( ع ) .
      عانى في أواخر عمره من الضغط و السكري خاصة الذي غض مضجعه ، فقابل ذلك بصبر جميل مقتدياً بمريض كربلاء ( ع ) ثم بحمد و شكر منقطع النظير للرب الخبير .
لك الحمد مهما استطال البلاء
          و مهما استبد الألم
لك الحمد إن الرزايا عطاء
و إن المصيبات بعض الكرم
       في شهر رمضان اشتدت عليه آلام السكري فدخل البرج الطبي وبعد أن أتم  عشرة أيام جاءته سكرة الموت بالحق فأسلم الروح إلى بارئها إثر جلطة لم تمهل الأطباء إنقاذه و ذلك يوم الأحد 24 رمضان 1441.
      ودع أبو حسين دنيانا و لم يودعنا و لم نودعه ، كأنه استعجل الرحيل إلى الرب الجليل ، و هو يقول " و عجلت إليك رب لترضى " ، لكن  إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون .
      لقد اعتصرتنا العبرات و الدموع يوم دفنه أننا لم نتمكن من زيارته و تكحيل أبصارنا برؤيته في المستشفى بسبب الإجراءات الصحية الاحترازية لمنع تفشي فيروس كورونا . و كم قطع نياط قلوب  كثير من محبيه و أهله أنهم لم يستطيعوا مواراته الثرى في مثواه الأخير فإنا لله و إنا إليه راجعون .
لعمرك ما وارى التراب فعاله
           و لكنما وارى ثياباً و أعظما
         لقد فجعنا موته خاصة أنه كان قبيل العيد ، فكتبت إحدى بنات أخيه خاطرة تفيض بالحزن أنقلها  بتصرف : " ها قد أتيت يا عيد  بالحزن ، أتيت و نحن فاقدين العم ، لم تكن مثل باقي الأعياد التي نلبس فيها الملابس الجديدة ، أنت العيد المختلف ، فقد لبسنا لباس العزاء الأسود لم نكن قادرين على الفرح ... لم نستطع أن نخفي دموعنا في صلاة العيد فقد أسميتك " العيد الحزين " . آه لتلك المشاعر الحزينة حتى الأحرف عاجزة عن كتابتها ! 
       عمي أفجعتنا برحيلك ، أبكيتنا بفقدك ، ذهبت إلى روح و ريحان و جنات النعيم ، ذهبت لتبقى سيرتك الطيبة ، في قلب كل محب لك ذكرى جميلة و حزينة ... وداعاً يا عمي " .
       و عزاؤنا أنه رحل إلى رب رحيم له ما أخذ و له ما أعطى و كل شيء عنده بأجل . و عزائي لأخوته يحيى و سليمان و محمد و أخواته ، و أعظم عزائي لابنة عمتي حرمه المصون و لأبنائه البررة حسين و محمد و رضا و حسن و كريماته  فهم خير خلف لخير سلف ، و كذلك أعزي أقاربه و محبيه  و معارفه ، و لنصبر و نحتسبه عند الله أنه مات في أعظم الشهور ، دعاؤنا فيه مستجاب فلنسأل الله بنيات صادقة أن يرحمه و يحشره   مع محمد و آله ( ع ) .  و ليس هناك  مصيبة أعظم من فقدنا لنبينا ( ص ) إذ قال : " إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي ، فإنها أعظم المصائب " .
فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها
        فاذكر مصابك بالنبي محمد
       أبو حسين من أين لنا العبارات و قد خنقتنا العبرات أنت ما تركتنا ، أنت في قلوبنا ، فلا يؤذي الفراق إلا من بقي . لقد تركت فراغاً في مجلس الأئمة ، و مجلس قمر بني هاشم ( ع ) فمهما كانت كانت جودة كلماتي فلن تفيك حقك  : " يا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . و ادخلي جنتي " .
          علي صالح الفهيد
         10 شوال 1441
          2 يونيو   2020
       ملاحظة : نشرته جريدة الرياض مختصرا جدا 16 يونيو 2020           
 بعنوان : ما كنت أحسب أني سأرثيك
 http://www.alriyadh.com/1826614
 و مرسل لجريدة الجزيرة إن شاء الله ينشر في صفحة وفاء
أتمنى أن تدعون له بالرحمة في التعليقات 
شكرا

الجمعة، 12 يونيو 2020

صورة و تأمل و رثاء

     
          في مغرب الأمس كنت أمارس رياضة المشي في حارتنا الدانة ففتحت جوالي و 
بدأت أتأمل صورة المرحوم أبا حسين علي حسن سلمان الحرز التي التقطتها في عيد الفطر عام 1408 - 1988 في منزلنا في حي الخليج ، و هو يضحك وهي من الصور 
النادرة التي يرتدي فيها الغترة و العقال ، فأخذت أتأملها و أخاطبه و أنا أبكي و دموعي تنهال سخينة ، على الرغم أني كتبت عنه مقالا طويلا  عنه في خمسة أيام بطلب من أخيه أحمد إلا أني كنت حزيناً و لم أبك،  و المقال في طريقه للنشر عند في ذكراه الأربعين فخاطبته فيها :
       

            
            كم هي جميلة جدا ضحكتك ، و جميلة صورتك و أنت بالغترة و العقال ، و أنا منذ سنوات طويلة أراك بدون غترة و عقال !


            أبا حسين     .....  ها أنت في هذه الصورة في السادسة و العشرين من عمرك ، و أنا كنت في العشرين في 1408.
          


            ربما استعجلت الرحيل : " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون " . 



           أبا حسين ... كم كنت بسيطاً في كلامك و تعاملك .



            تتحدث بصوت مرتفع أحياناً  لكن بحب و احترام مع السامع .
       
           
            أنت السابق و نحن اللاحق .



           نم قرير العين مع من كنت تحبهم و تواليهم .
       


          أبا حسين ..... رحمك الله .  


          20 شوال 1441 الجمعة

الخميس، 14 مايو 2020

الكورونا ومسؤلية الأمم المتحدة

في الثلاثين سنة الأخيرة اجتاح عالمنا أمراض وأوبئة متعددة معدية عابرة للدول وللقارات أحياناً أصابت عشرات الملايين، وفتكت ببضعة ملايين! وهذه الأمراض عبارة عن فيروسات تعيش ضمن دورة حياة طبيعية تعود لتعامل الإنسان مع الحيوان في معظمها، وأكثرها أمراض تنفسية معدية تصيب الجهاز التنفسي، وتنتقل بالرذاذ والملامسة وغيرهما، فمن جنون البقر في بريطانيا عام 1996، وأمراض أخرى من فصيلة الكورونا تتطور خطورتها من نوع إلى آخر، مثل: سارس في الصين عام 2002، إلى كورونا الشرق الأوسط في الجزيرة العربية عام 2003، إيبولا في غرب ووسط إفريقيا عام 2004، وإنفلونزا الطيور في 2005، وإنفلونزا الخنازير عام 2009 وكورونا الجديدة في 2012 في الجزيرة العربية والمملكة خاصة، وفي 2020 عصفت بالصين كورونا المستجدة المعروفة علمياً بكوفيد 19، وامتدت إلى كوريا الجنوبية واليابان، ثم تمددت إلى وسط الكرة الأرضية إيران ومنها إلى دول الخليج وما حولها، ثم إيطاليا، ومنها إلى بعض الدول الأوروبية وأميركا وغيرها، وأدى سرعة تفشيها إلى تضخيمها إعلامياً خاصة مع عزل الصين لمقاطعة هوبي والتي يقطنها 56 مليون نسمة، وعزل إيطاليا 16 مليون نسمة في شمالها، وعزل المملكة محافظة القطيف وقبلها تعليق العمرة والزيارة لأسباب احترازية ولتقليل انتشار المرض، ومحاصرته في الأماكن الموبوءة، والعزل إجراء صحي دولي. وتعليق معظم الدول المناسبات والفعاليات بكل مجالاتها! وأدى تضخيمها إعلامياً، وغياب التوعية الصحية المنظمة، وضعف الإنسان وقلة إيمانه بالله أحيانا، إلى هلع عالمي، وخسائر بشرية، واجتماعية، واقتصادية وغيرها مما يستدعي تعاوناً عالمياً تقوده منظمة الأمم المتحدة بكل إخلاص للعيش في عالم آمن على الأقل صحياً.. فمتى نرى ذلك؟.

عذراً حماة الصلاة


عذراً حماة الصلاة

قال المتنبي :

إذا كانت النفوس كباراً

  تعبت في مرادها الأجسام

و قال تعالى : " إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى " .

    في العاشر من شعبان من كل عام تمر علينا الذكرى الأليمة لاستشهاد حماة الصلاة الذين فاضت أرواحهم عند أعتاب مسجد الإمام الحسين ( ع ) . و كم آلمنا أن ذكراهم الخامسة تمر في أيام عصيبة يشيب لهولها رأس الوليد و أن أكثرنا ربما نسيها !

     عذراً يا من ضحيتم بأرواحكم و وقعتم على الموت ، و ذدتم بأجسادكم دفاعاً عن الصلاة و عن بيت الله ، و من أجل أن يبقى أهل لا إله إلا الله في حضن الولاية .

      عذراً إن لم نحتفل بذكراكم كما كنا في السنوات السابقة ؛ لأننا ترانا سكارى و ما نحن بسكارى !

    إن قلوبنا تتفطر حزناً لفقدكم ، و عيوننا لا زالت تهمل دموعاً لرحيلكم ، و إن ألسنتنا تلهج بالدعاء لكم بالرحمة و الغفران ، و عزاؤنا أنكم رحلتم إلى أرحم الراحمين و لا نزكيكم عليه : و حسبكم " إن المتقين في جنات و نهر . في مقعد صدق عند مليك مقتدر " . بجوار النبي ( ص )  و آله ( عليهم السلام ) مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء ، و حسن أولئك رفيقاً .

   عذراً لمن دخلوا في قوله تعالى : " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " . لتهنكم الشهادة التي اصطفاكم الله بها ، و لتكفنا بشارة الله لنا : " و بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون " .

   علي صالح الفهيد

الاثنين

11 شعبان 1441

4  نيسان 2020

17 رمضان مرت لرحيلك


            17  رمضان مر على رحيلك
     آه كم أشتاق أيامك ... يمر علي شهر رمضان السابع عشر و أنت بعيد عن ناظري ، بعيد تحت الثرى عند أرحم الراحمين .
    17 رمضان مر و أنت بعيد بجسدك عني ، قريب من روحي و وجداني ،  تسكن قلبي ! من أن يهل هلاله يشتد ذكرك في حشاي لأنك ملح رمضان و نكهته !
       أتذكر كم كنت حريصاً على صيامه جلداً ضارباً عرض الحائط بإرشادات الأطباء بعدم الصيام ، لكن ما أن يؤذن المغرب حتى تبادر لأداء نداء السماء ‘ و تبرد عطش كبدك ‘ و بعدها تفطر معنا و تقوم أولنا لتسامر معشوقتك بفناجيل القهوة و بيالات  الشاي ، و بعدها تعجلني بالذهاب معك لمآتم الحسين ( ع ) في حي العنود خاصة لقرابة ثلاث ساعات تسمع الذكر و تلتقي بالناس .
       17 رمضان مر على رحليك  بكتك فيه ليالي القدر و الاعتكاف و  ولادة الحسن المجتبى ( ع ) و وفاة الإمام ( ع ) و صلاة العيد .  
       17 رمضان بكاك فيه مسجد أمير المؤمنين ( ع ) و مسجد الحسين ( ع ) و صلاة الجمعة و الجماعة .
       بكتك فيه مآتم سيد الشهداء التي واصلت حضورها ليلياً فيه منذ عام 1411 .
    بكاك فيه مجلس ابن عيدان البراهيم – رحمه الله – و مجلس ناصر السعيد و مجلس عبد الله الحمد .... إلخ  .
    بكاك فيه أمي و أختك أم مسلم و إخواني و زوجاتهم و أخواتي و أزواجهم . بكاك فيه أحفادك الذين عرفوك و جالسوك أحمد و سامي و ناصر و يوسف و حسن و جهاد و ياسر و حسين و عبد الله و محمد المطاوعة و إخوانهم و أخواتهم .
     17 رمضان مر بكاك فيه أبناء أخيك و أبناء  أخواتك و أقاربك و أصدقاؤك و أصحابك الذين ما أن يعرفوا أني ابنك حتي يترحموا عليك .
     آه كم أنا مشتاق لك و لأيامك أيام الطيبين . لك مني ما حييت حب و وفاء و عطاء و دعاء " رب ارحمه كما رباني صغيراً  " .
  و لله  در الشاعر كريم العراقي حين أنشد :

رحم الله أبي
آهِ كم اشتاق أيام أبي
ذلك الرجل الرهيب العصبي العصبي
إنه أورثني الحزن ولكن مدني بالعزم
والعزة والصبر الأبي
فحملت العبء طفلاً ودموعي لُعبي
وبكى حين رآني ناجحاً
ورِضا عينيه أطفأ تعبي
إنما كان أبي قاسياً فعلاً
ويخفي نهر حبٍ عذبِ
قلبه قلب صبي
صبره صبر نبي
رحم الله أبي


ملاحظة : قرائي الأعزاء لا تبخلوا بكتابة مشاعركم و عواطفكم و أحاسيسكم عن بشر أعزاء عليكم فقدتموهم مهما طال الزمن لرحيلهم فتذكركم إياهم و  دمعتكم عليهم حب و وفاء و عطاء و بر و رحمة ، و الكتابة عنهم صعبة جدا جدا جدا و مؤلمة لكنهم يستحقونها .
          رحم الله موتانا جميعاً
             الفاتحة
         علي صالح الفهيد
      21  رمضان 1441
       14    مايو   2020