الثلاثاء، 14 أغسطس 2018


                خير النساء و أزهدهن   
     نعيش بين أبنائنا ، و أهلنا ، و أقربائنا ، و معارفنا  ، نزورهم و يزوروننا فنكحل أبصارنا برؤيتهم ، و نشنف آذاننا بمعسول كلامهم ، و نتبادل معهم المنافع و المصالح ، و نشاركهم أفراحهم و أتراحهم ، فنشعر بسعادة غامرة معهم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي الذي أصبح فيه الاجتماع بالآخرين كأنه ضرب من الخيال ، محدد بمواعيد ، و معقد بأمور فرضتها المدنية الحديثة !
     و قد نقصر في رؤية أحبابنا ، فلا نشعر إلا و قد اختطفتهم أيدي المنون على حين غرة ، فنلوم أنفسنا أننا قصرنا في زيارتهم ،  ولم نلق عليهم حتى النظرة الأخيرة .    
    و من أصعب من يفتقدهم الإنسان أبناءه  ، و والديه ، و أجداده ، و إخوانه .... ففي الثالث من ذي الحجة لعام 1422 الموافق للخامس عشر من فبراير لعام 2002 عرجت روح خير النساء العابدة الزاهدة ،  جدتي من أبي أم صالح الفهيد الحاجة بتلة حسن علي الشاوي لبارئها، و حسبها أنها توفيت يوم الجمعة الذي قيل عنه في الأمثال : " يحسدون الفقير على موتة الجمعة " . و روي عن فضل الوفاة فيه حديثاً رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) أنه قال : " ليلة الجمعة ليلة غرَّاء ، و يومها يوم أزهر ، من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من ضغطة القبر ، و من مات يوم الجمعة كتب الله له براءة من النار " . من لا يحضره الفقيه _ الجزء الأول . و كذلك الحديث الذي رواه الترمذي و الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : " ما من مسلم يموت يوم الجمعة ، أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر " .
     يقال أن ألم الفقد يخف مع الزمن ، و أن الوقت يداوي الجروح ، و هيهات ذلك مع ألمي و جرحي لفقدها ، حيث مرت خمس عشرة سنة و أنا عاجز عن الكتابة عنها ، و لو سطراً واحداً ، فما أن أمسك قلمي حتى تنهمل دموعي و تجمد يدي !  و هذه هي المرة الأولى التي استطعت فيها هزيمة نفسي بتدوين هذه القراطيس :
جئت أبكيك لم أجد من دموعي
      ما يوفَّى به المصاب ُ الأليمُ
فنثرت الفؤاد عندك    حزناً
    فإذا دمعتي الدم     المسجومُ
    و لا أبالغ إذا قلت : أنني إذا هجرت قبرها شهوراً  أراها في منامي  ، و كأن رؤيتها عتاب ! و ما أن تطأ قدماي الأحساء حتى أتشرف بزيارة قبرها ،  و قراءة سورة ياسين خصوصاً التي كانت ترددها دائماً :
لعمري ما وارى التراب فعاله
      و لكنما وارى ثياباً و أعظماً
   ما أكتبه هنا ليس رثاءً أ، و تأبيناً متأخراً ، أو تكفيراً  عن التقصير في حقها ، لكنه حلم يشبه الرثاء :
و أكبر أن يرثيها لساني
     بلفظ سالك طرق الطعام
مضت و قد اكتهلت و خلت أني
   رضيعُ ما بلغت مدى الفطام
     الجدة أم ثانية تحِن على أحفادها أكثر من الوالدين أحياناً ، و طالما اشتكى الآباء و الأمهات من تدليل  و تدليع أبنائهم من قبل أجدادهم و جداتهم ، و مثال ذلك أنشودة أمير الشعراء عن جدته :
لي جدة ترأف بي
    أحنى علي من أبي
و كل شيء سرني
     تذهب فيه مذهبي
إن غضب الأهل علي
    كلهم لم تغضب
    و هذه قصة إمبراطور الشعراء المتنبي مع جدته لأمه ، فقد يئست منه لطول غيبته ، فكتب لها كتاباً يسألها المسير إليه في بغداد ؛ لعدم استطاعته ، فلما وصلها كتابه قبَّلته ، و حُمَّت من وقتها لما غلب عليها من السرور فماتت ، فكتب قصيدته يرثيها و منها :
لكِ الله من مفجوعة ٍ بحبيبها
   قتيلةِ شوقٍ غير مُلحِقِها وصما
أحنُّ إلى الكأس التي شربِت بها
   و أهوى لمثواها التراب و ما ضما
بكيت عليها خيفةً في حياتها
   و ذاق كلانا ثُكل صاحبه قِدما
أتاها كتابي بعد يأسٍ و ترحةٍ
   فماتت سروراً بي فمتُ بها غما
   و كذلك رثى أحمد شوقي جدته بقصيدة منها هذه الأبيات التي تنطبق على جدتي رحمها الله :
صلاة الله يا ( بتلاء ) تجزي
     ثراكِ عن التلاوة و الصلاةِ
و عن تسعين عاماً كنت فيها
     مثال المحسنات الفضلياتِ
برزت المؤمنات فقال كلُّ  :
    لعلكِ أنتِ أم  المؤمناتِ
و كانت في الفضائل باقياتٌ
      و أنت اليوم كلُّ الباقيات
  نشأت – رحمها الله – في بيت والدها حسن  – رحمه الله – في عز و رخاء حيث كان يملك مزرعةً و بعض العقار . ثم تزوجت جدي علي أحمد الفهيد ، فأنجبت منه عشرة ، مات خمسة منهم في صغرهم ، و عاش خمسة . و قد عانت من تقلبات الزمن بدءاً من موت والديها ، و  معاناتها من شظف العيش ، مثل عامة الناس قبل طفرة النفط . ثم عانت من مرض عينيها ، فتعالجت في البحرين و فقدت بصرها ، و قلع إحدى عينيها ، و كذلك تكسر بعض أضلاعها إثر سقوطها من سطح منزلها ، ثم  إصابتها  بأمراض مزمنة ، مثل : الضغط ، و القلب ، و حموضة المعدة إلى آخر عمرها  ، فصبرت صبرا جميلاً محتسبة الأجر من الرحمن .
     قال حافظ إبراهيم أن الأم مدرسة ،  لكن المرحومة  كانت جامعة ، جمعت حولها أبناءها ، و أحفادها ، و أقاربها ، و معارفها ، تسأل عنهم و تتصل عليهم ، و تزورهم ، و تنام عندهم أحيانا ، و بيتها مفتوح للزيارة بدون مواعيد ، و كذلك يزورها أقرباؤها من الأحساء  خصوصا ابنا أختيها جواد علي الحرز ، و جواد علي الحويجي رحمهما الله .
    أتساءل ماذا قدمت لهم حتى أحبها القاصي و الداني ، القريب و البعيد حباً جماً، و هي لا تملك من حطام الدنيا إلا ما يكفيها ، و غيرها يملك الملايين و لم يستطع أن يجذب نحوه أولاده أو حتى زوجته ؟
     إنها بعد توفيق الله أحبتهم في الله ، و وسعتهم بأخلاقها ، و إذا  أحب الله عبداً  حبَّب إليه قلوب عباده ، فكانت خير مصداق لحديث المصطفى ( ًص ) : " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " :
أحبها الناس لم تبذل لهم ذهباً
     لكنه الحب من ربي بلا ثمنِ
   كانت متواضعة جداً ، و لقد درست في التاريخ عن شخصيات زاهدة ، فلم أر الزهد يتمثل فيمن رأيت إلا فيها ! و رأيت  انطباق تعريف الزهد فيها كما عرفه الإمام علي ( ع ) في نهج البلاغة قائلاً : " الزهادة قصر الأمل ، و الشكر عند النعم ، و التورع عند المحارم " .
    كانت كريمة جداً ، لا تقصر بمساعدة المحتاج فيما تملكه ، و لو كانت أحوج إليه . فحين ملكت بضعة آلاف من الريالات أقرضتني إياها لزواجي ، و حين أرجعتها أقرضتها لغيري عدة مرات !
أمي لها قصةٌ في البذل نادرةٌ
     فسل سني عمرها عن ذكرها الحسن
و سل جوارحها تنبيك عن شأنها
     في خدمة الأهل أو من عيشها الخشن  
  و الحديث عن صفاتها و أخلاقها ذو شجون ، فهي كتلة من الأخلاق و الصفات الجميلة .

              تقواها و عبادتها

      كان لها في عبادتها لها من اسمها نصيب ، فهي البتلاء المتبتلة ، العابدة ، تقوم جزءاً من ليلها بصلاة الليل ، و النوافل ، و الصلوات المستحبة ، ثم تنام  ، فتستيقظ قبيل الفجر فتنشغل بصلاة الفجر ، و غيرها من العبادات ، ثم تستمع للمحاضرات الإسلامية من مذياعها الذي ترعاه أكثر من نفسها .
كل الأماكن لا زالت تسائلني
   عن صوت مذياعك المبحوح يا أمي
     و هي الموالية للأئمة  الأطهار ( ع ) ،  فقد كانت قارئةً حسينية ، تقيم المآتم في منزلها ، تبيت طاويةً و لا تقطع مأتمها مهما كانت ظروفها ، و هي من أسست مأتم يوم السبت في منزلنا ، فكانت غرفتها حسينية .
     و لله الحمد زارت الأئمة الأطهار عدة مرات تقريباً ، و قد جددت جوازها عام 1408 لزيارة الحسين ( ع ) ، و للأسف  انتهى و جددته مرة أخرى و لم تتمكن من الزيارة .
     كانت تصوم رمضان كاملاً ، و بعض أيام المناسبات مع أن الطبيب رخص لها بالإفطار ! و لله درها حيث برنامج يومها كله عبادة و طاعة .

           المعاناة و الألم و الصبر

عانت – رحمها الله – من أمراض مزمنة ، مثل : الضغط ، و القلب ، و حموضة المعدة لسنوات طويلة جدا ، و في الأشهر الأخيرة قبيل وفاتها تعبت جداً ، فرفضت مراجعة المستشفى ! ربما لخوفها من التنويم ، و هي التي طالما ترددت على الأطباء . و أتوقع أن سبب ذلك حياؤها الشديد و خفرها ، وربما أنها أدركت أنه لا فائدة من علاجها ، و أنها الأيام الأخيرة لها .
    و في يوم 5 / 11 / 1422 ازدادت حالتها سوءاً ، فنقلت بالإسعاف إلى مجمع البابطين للقلب ، و نوِّمت في العناية المركزة ؛ لإصابتها بالتهاب رئوي ، و عدم قدرتها على الكلام ،  فكنا نزورها يومياً ، و كذلك يزورها محبوها و أهلها من الأحساء و الدمام . و في صباح  الجمعة 3 / 12 / 1422 أسلمت الروح لبارئها :
قد أقر الطبيب عنك بعجزٍ
       و تقضَّى تردد   العواد
و انتهى اليأس منك ، و استشعر الوج ...
      دُ  بأن لا معاد ، حتى المعاد
هجد الساهرون ، حولك للتم ...
   ريض ، ويحٌ لأعين الهُجَّاد
    فأخذناها إلى الأحساء لدفنها هناك تنفيذاً لوصيتها ، فشيعها حشد كبير إلى مثواها الأخير في مقبرة الخدود .
يا حامل النعش رفقاً أنت لا تدري
     امكث هنا لحظةً بالنعش لا تجري
لو تعلمون نسجتم حولها ذهباً
   و النعش رصعتمُ بالجوهر الحر
    و  كانت فاتحتها أربعة أيام  ‘ وقد خصصت بضعة آلاف لفاتحتها منذ سنوات طويلة ؛ لأنها لا تريد أن تثقل على والدي  رحمه الله .
     آه ما أقسى الموت فجعنا برحيلها ! آه ما أقواه أخذ جوهرتنا و عميدتنا ، و جعلنا نبكيها دماً و ليس دمعاً ! يا ليته قبل بالفدية و تركها لنا ، لكن هيهات فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون :
 و لو أن هذا الموت يقبل فديةً
      فديناه أموالاً كراماً و أنفساً
  لله در حبيبة الجميع رحلت بعد عمر طويل عمرته بالطاعة و الإيمان و الولاء ، و لم يتخلف أحد عن تشييعها ، لا يبكونها فقط ، لكنهم يبكون فيها قيماً تتساقط أوراقها ، و أخلاقاً تذبل في خريف الحياة ، و حياءً يُقتل يومياً في زمن الانترنت و التواصل الالكتروني .
لعمرك ما وارى التراب فعاله
   و لكنما وارى ثياباً و أعظما
  كانت نسيج وحدها ، امرأة بمعنى الكلمة ، مجيدة ، مدبرة ، قيادية . كانت أماً للجميع و صديقتهم ، يشكون إليها همومهم ، و يرتاحون لسماع سوالفها ، و لا يملون من جلستها مهما طالت ، تضحك و تمزح معهم ، و لا تحقد على أحد أخطأ عليها ، و إذا زعلت على أحد سرعان ما  ترضى . هي من بقية السلف قل نظيرها ، و قل ما يجود الدهر بمثلها  كأنها ليست من النساء !
و لو كان النساء كمن فقدنا
    لفضِلت النساء على الرجال
    بعد وفاة زوجة أبي أم أحمد تولت تربية إخواني ، و رعايتهم ، و الاهتمام بهم ، فعوضتهم عن أمهم خيراً . إن حزننا عليها لم ينفك ، فقد رحلت بجسدها ، و لا زالت تتربع على عروش قلوبنا بروحها النقية و نفسها الجميلة ، و سنبقى نفتقدها و نتذكرها :
أعاني بالفراق أسى
    و أذكرها صباح مسا
     حين مات إبراهيم ابن حبيبنا و شفيعنا محمد ( ص ) لم يخف – فداه نفسي و أمي و أبي -  مشاعره أمام أصحابه فقال : " إن العين تدمع ، و القلب يحزن ، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا ، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " . و نحن نقول في مصيبتنا مثله ، فإنا لله و إنا إليه راجعون .
    لقد تركت بصمة في حياتها ، و بصمات عظيمة في الآخرين ، فكانت بركة منزلنا ، و بسببها كان بيتنا عامراً بالزوار :
كأنك من كل النفوس مركب
   فأنت إلى كل الأنام حبيب
   أم صالح ، سنبكيك دمعاً ، و نتذكرك ألماً ، و نفتقدك شوقاً ، و نرجوك بين طيات الأيام ، و سنكتبك فقداً ، و سنبكيك ضعفاً و عجزاً من تغيير القدر برجوعك إلينا ، فلله ما أخذ ، و له ما أعطى ، و كل شيء عنده بأجل مسمى  .
    إن عزاؤنا أنها باقية في قلوبنا بقيمها ، و أخلاقها الجميلة ، و روحها المؤمنة ، ثم بالبقية الباقية منها عمتي أم مسلم  - أطال الله عمرها – و بأسباطها المتنافسين في حبها " فيا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية مرضية .  فادخلي في عبادي . و أدخلي جنتي " .  و حسبها أنها رحلت إلى رب رحيم  ، فالسلام عليها  يوم ولدت ، و يوم ماتت ، و يوم تبعث حية .
     الفاتحة

 حفيدها علي صالح الفهيد
جمادى الأولى 1437