الأحد، 20 يونيو 2021

في الليلة الظلماء يفتقد البدر

 

     قال الإمام علي(ع):"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". وقال الحسن البصري(ض): " لولا ثلاثة ما طأطأ ابن آدم رأسه: الموت، والمرض، والفقر".

    إنه الموت الذي نفر منه سيلاقينا، ولو كنا في بروج مشيدة، نتحاشى ذكره متناسين قوله(ص):"أذكروا هادم اللذات".

   إنه الحقيقة المطلقة المؤلمة الموجعة التي تدرك جميع الكائنات الحية بالانتقال من الحركة إلى السكون، من الدنيا إلى الآخرة. فقبل سنة فجعنا برحيل أم الجود والكرم، جامعة الأرحام الحاجة أم أحمد عبد الله علي القرقوش في سنة كورونية موجعة رحل فيها أحبابنا وإخوة لنا في الدين والوطن والإنسانية، سنة لا يغاث الناس فيها  ولا يعصرون. سنة أبكت العالم بقضه وقضيضه، فوضعته على كف عفريت يغلي كغلي المرجل، يحاول جاهداً إيقاف النزيف البشري والاقتصادي، بل يحاول إيقاف موت الحياة بتباعد الإنسان عن أخيه الإنسان جسدياً مما فاقم من التباعد في المشاعر، والأحاسيس، والعواطف، والانفعالات.

      الحاجة فهيمة بنت صالح بن صالح بن حسن بن ناصر الحرز تزوجت قبل بلوغها الخامسة عشر كعادتهم في ذلك الزمن عبد الله علي القرقوش- طيب الله ثراه- فسكنت في فريج الرفعة الشمالية مجاورة لمنزل والدها رحمه الله. قبل 50 عاماً انتقلت إلى منزل اشتراه زوجها في حي الفاضلية، منزل شعبي مفتوح من أعلاه، فيه حوي تشرق وتغرب الشمس عليه، وتهب عليه رياح الصبا، فكان بحق أيقونة شارع الفاضلية ودرتها، مفتوح للجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً. فيه يستقبل زوجها جيرانه ومعارفه وأهله مساء كل يوم بعد صلاة العشاء في مجلسه الصغير الذي لم تتجاوز مساحته 14 متراً، منهم الوجيه رجل الأعمال ياسين الغدير، وعمدة الفاضلية السيد حسين الأحمد الذي كان يقصده المحتاجون لإنهاء معاملاتهم فيه.

       عاشت كريمة النفس، جوادة، مضياف لا يغلق بابها، تستقبل الناس ببشاشة في حوي منزلها الصحي في جميع الأوقات، في قُر الشتاء وزمهريره، وفي هجير الصيف وسُعاره غير مبالية بلهيبه وسمومه. ذلك الحوي الصحي الجميل الذي افتقدته منازلنا المصندقة منذ عقود في جلسة شعبية بسيطة بلا مكيفات، أو كنبات، أو كراسي، أو طاولات، ولا أثاث منمق، أو جدران مزركشة، ولا تلفزيون، أو جوالات تشغلهم عن السمر، وتبادل أطراف الحديث.

      كان حوي منزلها ديوانية مفتوحة للجميع، القريب والبعيد، الصغير والكبير، لا يفتر عن استقبالهم حتى غدا عبق المكان ورائحته ولونه وطعمه!

     كان بيتها ملتقى الأهل، والجيران، والأقارب، والمعارف ببساطة بدون مواعيد مضروبة، أو اتصالات منسقة بعيداً عن تعقيدات الحياة وصخبها. يتفاكهون ويرفهون عن أنفسهم، ويلتقون بقلوب صادقة، ونيات طاهرة.

     عاشت بفطرتها بإيمان العجائز، محبة للخير، تعمل المعروف بصمت بدون من، أو أذى، أو إعلان عنه، أو خبر حتى فيما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي.

     كانت اجتماعية من الدرجة الأولى، واصلة لأرحامها فقد شاهدتها يومياً تزور أمها في منزل أخيها وقت الضحى، ثم تعرج على جيرانها.

     اتسمت بكاريزما، قيادية يعتمد عليها في إدارة الأمور، واثقة، تدلل نفسها وتكرمها، ذات فراسة وحدس، تقرأ أفكار من يجالسها سريعاً، مهما قست بكلامها فقسوتها عن حب سرعان ما ننساها. مدججةً بالأنفة والتواضع، لا ترضى بالخطأ، متحدثة بثقة لا يمل حديثها، تستشهد بكثير من القصص والحكايات، والأمثال الشعبية، ما في قلبها على لسانها، صريحة في الحق بلا مجاملة أو مداهنة، مستمعة جيدة لغيرها، صاحبة ذاكرة قوية اختزنت فهما صحيحاً للحياة، لم تدرس في مدرسة أو كُتَّاب لكنها تعلمت في مدرسة الحياة أكثر مما يتعلمه طالب الجامعة اليوم، فكانت بحق ذاكرة المكان والزمان، مجيدة في حفظ أرقام الهاتف والحساب، مدبرة منزل مجيدة، وطباخة ماهرة.

    عانت في سنواتها الأخيرة من مشكلات صحية مجهدة منها عملية كسر فخذها، ومنعها عن الحركة، ومرض زوجها الدائم، وما كسر قلبها وغض مضجعها وفاة ابنتها الكبرى أم عادل، وأقسى ما آلامها وكسر ظهرها في سنتها الأخيرة جفاء وهجر بعض الأهل والأقارب لها، فكانت تردد دائماً هذه الأبيات الشعرية:

أريد أبكي على روحي وانا حي

ويا الدنيا ضاقت بعيني وانا حي

صديق ما يواصلني    وانا حي

و يامن مت مابغيه    يبكي عليا

     من أصعب صروف الدهر على الإنسان أن يعجز، فيكون محتاجاً لرعاية الآخرين حتى في احتياجاته الخاصة، وخالتي قاست في فترة الحجر الصحي على الفاضلية الذي استمر 17 يوماً قضتها بدون رعاية من أولادها، فتدهورت صحتها، وبعد انتهائه انتقلت مكرهة إلى منزل ابنتها أم أحمد الحسن متحسرة لفراق منزلها الأثير، ثم إلى منزل ابنها أحمد، ثم عادت إلى منزل أم أحمد الحسن، ثم نقلت بالإسعاف إلى مستشفى الملك فهد قضت فيها 8   أيام ممنوعة من زيارة أحبابها، ثم أسلمت الروح إلى بارئها يوم الأحد 14 / 11 / 1441 الموافق 5 / 7 /  2020فشيعت في جنازة بسيطة حسب الاحترازات الصحية الرسمية المفروضة بعيون دامعة، وقلوب باكية، وألسنة بالدعاء لاهجة:

ما أنصفوا إذ أودعوك إلى الثرى

    مثواك في الأكباد والنبضات

      يقال: إن الموتى لا يموتون إلا حين ننساهم، وإن فقدهم يجعلنا أقوياء! كذبٌ ما قالوه، نحن نضعف في غيابهم أكثر، نكون أكثر هشاشة، نحزن، نبكي، قد نمرض أو نموت بسببهم. ما زال جرح غيابها لم يندمل، ودموع روحي لم تكفكف، وقلبي لا زال ينبض بحبها:

عام مضى ضاعت به أفراحنا

    وتعتقت في كأسنا الآلام

عام مضى للدفن وجه كالحٌ

   وعلى الفاضلية كدرة وقتام

      بموتها أغلق بابها، وسكنت دارها الهوام، وفقدنا أجمل القيم الإنسانية: الكرم والسخاء، واجتماع الأحبة بدون رسميات أو تكاليف، فمهلاً أيها الموت لأستوعب رحيلها، فقد أصبحت برحيلها يتيماً من جديد! ماتت أمي الثانية، فغدت الفاضلية موحشة مظلمة حين أدخلها! فأي باب سأطرقه فيها، فالبيوت تموت بموت أصحابها؟

يا طارق الباب رفقاً حين تطرقه

      فإنه لم يعد في الدار أصحاب

تفرقوا في دروب الأرض وانتثروا

     كأنه لم يكن إنس     وأحباب

ارحم يديك فما في الدار من أحد

    لا ترج رداً فأهل الود قد راحوا

ولترحم الدار لا توقظ مواجعها

    للدور روحٌ كما للناس أرواح

      مهلاً أيها الموت، فأصعب اشتياق وأقساه أن نشتاق لأجساد غطاها التراب، ولأرواح بعدت عنا إلى رب الأرباب، فاستلطفوا بعضكم بعضاً وأنتم أحياء قبل الغياب؛ لأنكم لا تعلمون متى ستفارقونهم أو يفارقونكم، حينها تتمنون لو أنكم ما تركتموهم لحظة، فالموت لا يؤخر أحداً ولا ينتظر، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ونحن نيام إذا متنا انتبهنا.

     سنة عجفاء انقضت، وانتهت على رحيلها فما زالت عيوننا تدمع، وقلوبنا تحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا أم أحمد لمحزونون:

عام على الفقد لا سلوان أو بدلُ

    والحزن غض وها طعناته أسلُ

     كتبت زوجتي المصون حفيدتها أم عبد الإله ترثيها: " رحلت، ولم يرحل ذكراها، التحفت التراب. صوتها، ملامحها لا زالت حية في قلبي.

    أحياناً يراودني شعور بعدم تصديق خبر وفاتها! كم قصرت في زيارتها!  لكن ظروف البعد منعتني لكني لم أنساها، كنت اتصل عليها دائماً.

     أحبتني حباً جماً، لدرجة أنها تتذكرني، ولم تنساني خاصة في زياتي الأخيرة لها قبل أسبوعين من وفاتها فقد استقبلتني بالبشاشة وودعتني بالدعاء، فيا رحمن رحيم ارحمها، وأجمعني بها في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، على سرر متقابلين".

     وبعبارات باكية دامية بكتها حفيدتها أم فتحي قائلة: " جدتي.. مرت سنة على رحيلك كانت أشبه بدهر! سنة لم أرك فيها، لم أسمع صوتك، لم أقبل رأسك. سنة استحضرت فيها أمنية مستحيلة: ليتهم لا يمرضون، لا يشيخون، لا يرحلون!

      ما أوجع الفراق حين يفتح أبواب الماضي، ويشرع نوافذ الذكريات الجميلة التي كنتِ

 فيها قريبة من روحي ووجداني.

     جدتي.. أحن إلى المكان الذي طالما كنت تجلسين فيه. أحن إلى صوتك يطرب مسامعي. أنت ملتقى الأحبة، القريب والبعيد، وما نحن إلا طيور فارقت أعشاشها بعد رحيلك.

     أنت العش الذي كنا نلجأ إليه عندما تضيق بنا الدنيا لنحلق عاليا، ونعود إليه، فبرحيلك تفرقت الجمعات وتشتت.

     جدتي.. أرثيك أم أرثي الأيام التي خلت؟  

   جدتي عشتِ ومتِ عزيزة النفس، تتذكرين وتنفذين وصية والدك المرحوم.

    جدتي رحلتِ ورحلت معك لقاءاتنا وأحاديثنا وأسمارنا وضحكاتنا، فيا ربي اجمعني بها في مستقر رحمتك.

     وكتبت ابنتها المقصرة كما وصفت نفسها أم أحمد الحسن: أدخل دارها، أتحسس مكانها الدائم، أترقب جلستها، ناسية أنها غادرتنا، فاكتشف أن المساحات مهجورة وباردة. أين الدفء الذي كان يملأ المكان؟ أين الصوت الذي طالما شنف أذني؟

     أحبك يا نبع العطاء. أنا عاجزة أن أجازيك، فجزاؤك عند رب العالمين.

    وكتب ابنها أبو عبد الله سلمان:

آه.. آه.. برحيلها مسني الضر. ماذا عساني أقول عن أمي؟ هل تكفي السطور؟ هي عائلة، هي وطن، هي احتواء، هي فرحتي كلما عدت إلى موطني الأحساء حتى وإن غابت عن عيني وغطاها التراب. هي الكرم كله، محبة للجميع.

    رحم الله أمي ومصباحي إذا حل ظلام الأمور. بدعوة من قلبها تنجلي همومي، وتضيء أيامي.

          الفاتحة

الأحد 10 / 11 / 1442

20 / 6 / 2021

 

    

الثلاثاء، 18 مايو 2021

هي حكاية لا تنتهي

 

       

     كائن حي يتنفس هواءنا ويعيش معنا وبيننا، لابد منه ولا غنى عنه، هو نصفنا الثاني، بل هو المجتمع كله لأنه يصنعه على عينيه بإرادة الله عز وجل.

      تحمله في بطنها وهناً على وهن فيشرب من دمها، ويتغذى من لحمها، وقد تمرض أو تستشهد بسببه! لكنها تستلذ بهذه المعاناة وتتحدث مع صويحباتها أن حملها أتعبها وأمرضها وأسقط بعض أسنانها، وتعاهد الله وتعاهدنا أنها لن تكرره، ومن أن تتعافى من جراحها وقبل فطام فلذة كبدها تخلف عهدها وتحبل مرة أخرى مدعية أنها حملت بالخطأ، وأنها لا ترغب فيه، وكأن حملها السابق كان برداً وسلاماً عليها فأي شجاعة وقوة امتلكتها فاقت بها مفتولي العضلات!

     كانت المرأة عند اليهود أساس الشر في العالم، ورأس الخطيئة الأولى بسببها "عصى أدم ربه فغوى " فأخرجه الله من الجنة.

      واحتلت عند النصارى مكانة أدنى بكثير من الرجل. قال بولس:" أعتقد أن حواء أخطأت أولاً، ثم أغوت آدم فانقاد وراءها ثانياً". وعاشت في أوروبا محتقَرةً وقذرة ولا قيمة أو وزن لها، وأنها خُلقت لخدمة الرجل ومتعته!

       وكانت في الجاهلية تُوأد ولا ترث وإذا مات زوجها تصبح إرثاً لابنها الأكبر " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون".

      وحين أشرق الإسلام أكرمها وأعلى قيمتها وساواها بالرجل في الأجر والخطاب وأضاف لها قيمة مضافة بأن جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وجعل حقها في بر الأبناء ثلاثة أضعاف حق الأب. وجعلها سكناً للرجل وجعل بينهما مودةً ورحمة حتى صارت نفسه الثانية. وقضى على الظلم الجاهلي الواقع عليها كوأد البنات ومنعها ميراثها وغيرها، فصارت شريكةً للرجل لا نداً له وأنزل الله سورة النساء تذكرنا بهن نتلوها آناء الليل وأطراف النهار. فأم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية (ض)تسقى وتداوي الجرحى في معركة أحد وتدافع عن الرسول(ص) بسيفها حتى جُرحت. وها هي أمنا خديجة (ض)تضع جل أموالها في نشر الدعوة حتى أوفى لها الرسول (ص) بحبه لها ولم يتزوج عليها في حياتها. وحين اشتكت له سيدتنا الزهراء (ع) من تعبها في أعمال منزلها قلدها وساماً من الطبقة الأولى سمي بتسبيح الزهراء يردده المسلمون دبر صلواتهم الخمس ولقبها بأم أبيها. وحين توفيت فاطمة بنت أسد (ض) أم الإمام علي (ع) كفنها بردائه اعترافاً بفضلها.

       وقد ظهرت في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي حركة تحرير المرأة في أوروبا تطالب بإعطائها بعض الحقوق، مثل: الحرية ومساواتها بالرجل وغيرها. وحين صدقت المرأة أكذوبة تحريرها ومشت في ركابها منطلقةً نالت قليلاً من حقوقها بعد أكثر من مئة سنة تقريباً. وقد تطورت حركة تحريرها فظهرت في القرن العشرين في أوروبا بمسمى جديد هو" الحركة النسوية " من قبل نساء طالبن بجعل المرأة مساوية للرجل في كل شيء ومنافسةً ونداً له بغض النظر عن العادات والتقاليد والأديان والاتجاهات واختلافها عن الرجل! حتى تمادت الرأسمالية الغربية بجعلها مادةً وسلعة تدور حولها رحى الاقتصاد في مجالات كثيرة كالأزياء والإباحية والبغاء والسينما والترفيه والإعلان والسياحة والإعلام. وجردوها من أنوثتها لتعمل في أعمال لا تناسبها. تعمل نهاراً في وظيفتها وليلاً في منزلها، ثم أكملت الأمم المتحدة عام 1977المسرحية بجعل الثامن من شهر مارس من كل عام يوماً عالمياً اعترافاً بفضلها وتكريماً لإنجازاتها!

     وفي الربع الأخير من القرن العشرين ظهر مشروع تمكين المرأة، أنا أعتبره نسخة معدلة من حركتي التحرير والنسوية الحديثة ويعني باختصار تقوية وتعزيز دورها في مجالات التنمية والاقتصاد وغيرها وإشراكها فيها لتكون فعالةً في عالمها.

       حواء حكاية طويلة لم ولن ننتهي من سردها ولن يكفيها البحر ولو كان مداداً لسرد ما قيل عنها وفيها، بانها خلقت من ضلع أعوج من أضلاع الرجل، وأن كيدها عظيم، وأنها ناقصة عقل ودين، وصوتها عورة، وأنها رأس الخطيئة وأساس الشر، وهي المتسببة بخروج آدم من الجنة، وأنها عدوة لبني جنسها، وأنها شر لابد منه، وجمالها فتنة تؤدي إلى الفوضى، والارتباط بها قفص ذهبي!

     المرأة هي أسئلة التحدي في الماضي والحاضر والمستقبل لم يستطع الرجل حسم الإجابة عليها بدون قوانين وتشريعات بشرية أو ربانية في قضاياها الكثيرة مثل: العصمة وخروجها للعمل والأمومة والحضانة والقوامة والمساواة بالرجل والاستقلال عنه، والتعدد والحجاب والسفور والتحرش وتحديد النسل، وتوليها الحكم والقضاء والترشح للانتخابات، وغيرها الكثير الكثير.

      وستبقى حكايتها سجالاً طويلاً ومختلف عليها اجتماعياً ودينياً وسياسياً واقتصادياً وغيرها. هي شقيقة الرجل يفني شبابه كادحاً للارتباط بها بميثاق غليظ يكمل به نصف دينه؛ ليسكن إليها ويستمتع بها ويحميها ويرفق بها من الكسر ولها حقوق وعليها واجبات.

     هي مدرسة الإنسان الأولى الأم والأخت والبنت والزوجة والقريبة والصديقة والزميلة، هي ملح الحياة وسكرها وربيعها، وحياتنا بدونها لا جمال ولا ألوان ولا مشاعر ولا عواطف ولا حب فيها، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. ولنتذكر أن وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة.

   نشرته في صحيفة جواثا الإلكترونية

يوم 27 رجب 1442

بعنوان المرأة حكاية لا تنتهي

https://juwatha.net/250764.html



   

     

  

 

السبت، 9 يناير 2021

حين ترحل الضحكات

 

                حين ترحل الضحكات

     قال جبران خليل جبران: "ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدةً، وإنما يموت بطريقة الأجزاء! كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد الأجزاء ميتةً فيحملها ويرحل ".

     سبع سنوات مرت على رحيله احترت ماذا أسميها: سبع عجاف أم سبع سمان خفاف؟ في كل عام قبيل ذكرى رحيله يزداد شوقي وحنيني إليه فلا أستطيع التعبير والبوح عن ذلك!

لست أنساك وإن طال المدى

      فبقلبي لوعة الذكرى وجود

    وكم ترددت في التعبير عنه؛ لأن الناس ملأى بالأحزان والأعمال الملهية، وهم في سنة كورونية بحاجة لمن ينسيهم لكن ذكراه تغلبت على الكورونا لعل بوحي يذكرهم به ولو بقراءة الفاتحة تكون برداً وسلاما عليه ونوراً في قبره .

      سبع عجاف، أم سبع خفاف كلها بعده ألم وأمل ورحيل، وعِبرة وعَبرة، وشوق وحنين وأنين.

يا غائبين وعرش القلب مسكنهم

       هذه المواجع رغم البعد هل تصلُ

كأنكم نبض قلب لا يفارقه

       وما خلت طيوف منكم المقلُ

     أتذكر يوم 18 / 12 / 1408  ذهبت معه وحسن عبد الرسول وعلي العويشير ونزلنا البحر نسبح فأخذنا الماء فكدت أغرق فدفعني المرحوم إلى الشاطئ فنجوت بحول الله وقوته بمساعدته .

     سبع مرت على فقدي قريبي وأخي وزميل دراستي وشريكي في لعبي ومراهقتي، وأنيسي في جلستي، بل صديقي الحميم.

    ذات يوم سألت حرمه المصون قريبتي عنه فقالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع: أدخل المنزل فأبحث عنه في الصالة فلا أرى إلا سيجارةً فوق المطفأة بلا دخان، ثم أدلف إلى غرفة نومه فأرى سريره خاوياً، فأصرخ ليتك يا حبيبي تعود ولو لحظةً لأشبع ناظري منك! ثم واصلت: تعلمت بعد رحيلك أكثر مما علمتني المدرسة بل أكثر مما علمتني الحياة قبل رحيلك!

      ثم سألت كريمته الكبرى فردت بأسى: فقدت أباً بشوشاً وقلباً رؤوماً فمن سأناديه بأبي، فكل بنت بأبيها معجبة؟!

    وسألت آخر عنقوده التي طالما رأيتها في الأعياد فردت: أبي تجسد لي في الصور، لم يرني ولم أره، إنه طيف حلم وردي، لقد رحل إلى الخلود، من يستحق مني كلمة أبي بعده؟!

     رحم الله زين الشباب البشوش صاحب الابتسامة الجميلة والضحكة الجهورية الذي لم يودعنا، ولم يمهلنا هادم اللذات توديعه في ذكراه السابعة التي مرت قبل 35 يوماً فعليه يبكي الباكون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

       علي صالح الفهيد  25 / 5 / 1442

 

رابط مقال عن زين الشباب

https://www.al-jazirah.com/2016/20160325/wa2.htm

جريدة الجزيرة 25 / 3 / 2016

الخميس، 7 يناير 2021

 

              جامعة منها تعلمت

 قال جبران خليل جبران: "ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدةً، وإنما يموت بطريقة الأجزاء! كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد الأجزاء ميتةً فيحملها ويرحل ".

     خمس سنوات مرت على رحيل خير النساء، احترت ماذا أسميها: خمس عجاف ،أم خمس سمان خفاف؟ ففي كل عام تلح ذكرى رحيلها في خاطري ولكن قلمي لا يطاوعني خاصة أننا في سنة استثنائية كورونية وأغلب الناس غير مستعدين لذكر الموت والميتين ناسين أن في ذكراهم تذكير لنا بأن نهديهم فاتحة الكتاب ؛لتكون برداً وسلاماً عليهم، ونوراً في قبورهم.

    رحلت جامعة الأخلاق حسنة السيرة والسلوك، الأمية التي تعلمت ودرست في جامعة الحياة دروساً يعجز كثير من شباب اليوم في تعلمها وتطبيقها ! فإذا كانت الأم مدرسة كما وصفها شوقي فراحلتنا جامعة! فيها تعلم فلذات كبدها ،وأنا تعلمت منها دروساً شتى . تعلمت منها أن الحياة عقيدة وجهاد، وأنها طريق ملأى بالمحن نقطعها بالصبر والعمل وأن من صبر ظفر بالمنى.

     تعلمت منها أن الزهد عما في أيدي الناس يغنينا من فضل رب الناس. وأن تربية فتنة الحياة الدنيا أولادنا جهاد ينقلب إلى زينة لنا في الدنيا والآخرة!

     وأعظم ما تعلمت منها الوفاء للعشير، فكان وفائها قل مثيله في نساء اليوم ربما أكبر من وفاء السموأل! وفت له بحسن تربيتها لأولاده ،وأهدت روحه الطاهرة صياماً وصلوات لأكثر من 30 سنة فكانت بحق مصداقاً لحديث حبيبنا المصطفى (ص ) : " جهاد المرأة حسن التبعل لزوجها " .ولقد أكرمها الله بدفنها بجانب من وفت له على الرغم من مرور 37 سنة تقريباً على رحيله ، فكانت مفاجأة لي،فتذكرت حينها أن ليلى حين ماتت دفنت بجانب قيس !

    تعلمت منها أن الأمومة عطاء وحب لا تنتهي بزواج الأبناء ،فكانت جامعة لأبنائها جمعتهم حولها متحابين متكاتفين حتى بعد رحيلها.

       تلك بعض الدروس التي تعلمتها من تلك الجامعة فرحم الله خير النساء التي جمعتنا في حبها في ذكراها الخامسة في الرابع والعشرين من جمادى الأولى  1442وأسكنها الجنان مع الأنبياء والصديقين والشهداء والأئمة الميامين.

آمين

ولو كان النساء كمن فقدنا

        لفضلت النساء على الرجال

        علي الفهيد 23 /5 / 1442

افتح روابط عنها :

ذكرى رحيل خير النساء( جريدة الجزيرة 1 فبراير 2017 )

https://www.al-jazirah.com/2017/20170201/wa4.htm

ذكرى خير النساء ( جريدة الوطن 8 فبراير 2019 )

https://www.alwatan.com.sa/article/398236