خير
النساء و أزهدهن
نعيش بين أبنائنا ، و أهلنا ، و أقربائنا ،
و معارفنا ، نزورهم و يزوروننا فنكحل
أبصارنا برؤيتهم ، و نشنف آذاننا بمعسول كلامهم ، و نتبادل معهم المنافع و المصالح
، و نشاركهم أفراحهم و أتراحهم ، فنشعر بسعادة غامرة معهم في زمن وسائل التواصل
الاجتماعي الذي أصبح فيه الاجتماع بالآخرين كأنه ضرب من الخيال ، محدد بمواعيد ، و
معقد بأمور فرضتها المدنية الحديثة !
و قد
نقصر في رؤية أحبابنا ، فلا نشعر إلا و قد اختطفتهم أيدي المنون على حين غرة ،
فنلوم أنفسنا أننا قصرنا في زيارتهم ، ولم
نلق عليهم حتى النظرة الأخيرة .
و من
أصعب من يفتقدهم الإنسان أبناءه ، و
والديه ، و أجداده ، و إخوانه .... ففي الثالث من ذي الحجة لعام 1422 الموافق للخامس
عشر من فبراير لعام 2002 عرجت روح خير النساء العابدة الزاهدة ، جدتي من أبي أم صالح الفهيد الحاجة بتلة حسن علي
الشاوي لبارئها، و حسبها أنها توفيت يوم الجمعة الذي قيل عنه في الأمثال : "
يحسدون الفقير على موتة الجمعة " . و روي عن فضل الوفاة فيه حديثاً رواه
الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) أنه قال : " ليلة
الجمعة ليلة غرَّاء ، و يومها يوم أزهر ، من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من
ضغطة القبر ، و من مات يوم الجمعة كتب الله له براءة من النار " . من لا
يحضره الفقيه _ الجزء الأول . و كذلك الحديث الذي رواه الترمذي و الإمام أحمد عن
عبد الله بن عمرو قال : " ما من مسلم يموت يوم الجمعة ، أو ليلة الجمعة إلا
وقاه الله فتنة القبر " .
يقال أن ألم الفقد يخف مع الزمن ، و أن الوقت
يداوي الجروح ، و هيهات ذلك مع ألمي و جرحي لفقدها ، حيث مرت خمس عشرة سنة و أنا
عاجز عن الكتابة عنها ، و لو سطراً واحداً ، فما أن أمسك قلمي حتى تنهمل دموعي و
تجمد يدي ! و هذه هي المرة الأولى التي
استطعت فيها هزيمة نفسي بتدوين هذه القراطيس :
جئت أبكيك لم أجد من
دموعي
ما يوفَّى به المصاب ُ الأليمُ
فنثرت الفؤاد
عندك حزناً
فإذا دمعتي الدم المسجومُ
و لا
أبالغ إذا قلت : أنني إذا هجرت قبرها شهوراً أراها في منامي ، و كأن رؤيتها عتاب ! و ما أن تطأ قدماي
الأحساء حتى أتشرف بزيارة قبرها ، و قراءة
سورة ياسين خصوصاً التي كانت ترددها دائماً :
لعمري ما وارى التراب
فعاله
و لكنما وارى ثياباً و أعظماً
ما أكتبه هنا ليس رثاءً أ، و تأبيناً متأخراً
، أو تكفيراً عن التقصير في حقها ، لكنه
حلم يشبه الرثاء :
و أكبر أن يرثيها
لساني
بلفظ سالك طرق الطعام
مضت و قد اكتهلت و
خلت أني
رضيعُ ما بلغت مدى الفطام
الجدة
أم ثانية تحِن على أحفادها أكثر من الوالدين أحياناً ، و طالما اشتكى الآباء و
الأمهات من تدليل و تدليع أبنائهم من قبل
أجدادهم و جداتهم ، و مثال ذلك أنشودة أمير الشعراء عن جدته :
لي جدة ترأف بي
أحنى علي من أبي
و كل شيء سرني
تذهب فيه مذهبي
إن غضب الأهل علي
كلهم لم تغضب
و هذه قصة إمبراطور الشعراء المتنبي مع جدته
لأمه ، فقد يئست منه لطول غيبته ، فكتب لها كتاباً يسألها المسير إليه في بغداد ؛ لعدم
استطاعته ، فلما وصلها كتابه قبَّلته ، و حُمَّت من وقتها لما غلب عليها من السرور
فماتت ، فكتب قصيدته يرثيها و منها :
لكِ الله من مفجوعة ٍ
بحبيبها
قتيلةِ شوقٍ غير مُلحِقِها وصما
أحنُّ إلى الكأس التي
شربِت بها
و أهوى لمثواها التراب و ما ضما
بكيت عليها خيفةً في
حياتها
و ذاق كلانا ثُكل صاحبه قِدما
أتاها كتابي بعد يأسٍ
و ترحةٍ
فماتت سروراً بي فمتُ بها غما
و كذلك رثى أحمد شوقي جدته بقصيدة منها هذه
الأبيات التي تنطبق على جدتي رحمها الله :
صلاة الله يا ( بتلاء
) تجزي
ثراكِ عن التلاوة و الصلاةِ
و عن تسعين عاماً كنت
فيها
مثال المحسنات الفضلياتِ
برزت المؤمنات فقال
كلُّ :
لعلكِ أنتِ أم المؤمناتِ
و كانت في الفضائل
باقياتٌ
و
أنت اليوم كلُّ الباقيات
نشأت – رحمها الله – في بيت والدها حسن – رحمه الله – في عز و رخاء حيث كان يملك مزرعةً
و بعض العقار . ثم تزوجت جدي علي أحمد الفهيد ، فأنجبت منه عشرة ، مات خمسة منهم
في صغرهم ، و عاش خمسة . و قد عانت من تقلبات الزمن بدءاً من موت والديها ، و معاناتها من شظف العيش ، مثل عامة الناس قبل
طفرة النفط . ثم عانت من مرض عينيها ، فتعالجت في البحرين و فقدت بصرها ، و قلع إحدى
عينيها ، و كذلك تكسر بعض أضلاعها إثر سقوطها من سطح منزلها ، ثم إصابتها بأمراض مزمنة ، مثل : الضغط ، و القلب ، و حموضة
المعدة إلى آخر عمرها ، فصبرت صبرا جميلاً
محتسبة الأجر من الرحمن .
قال حافظ إبراهيم أن الأم مدرسة ، لكن المرحومة كانت جامعة ، جمعت حولها أبناءها ، و أحفادها ، و
أقاربها ، و معارفها ، تسأل عنهم و تتصل عليهم ، و تزورهم ، و تنام عندهم أحيانا ،
و بيتها مفتوح للزيارة بدون مواعيد ، و كذلك يزورها أقرباؤها من الأحساء خصوصا ابنا أختيها جواد علي الحرز ، و جواد علي الحويجي
رحمهما الله .
أتساءل ماذا قدمت لهم حتى أحبها القاصي و
الداني ، القريب و البعيد حباً جماً، و هي لا تملك من حطام الدنيا إلا ما يكفيها ،
و غيرها يملك الملايين و لم يستطع أن يجذب نحوه أولاده أو حتى زوجته ؟
إنها
بعد توفيق الله أحبتهم في الله ، و وسعتهم بأخلاقها ، و إذا أحب الله عبداً حبَّب إليه قلوب عباده ، فكانت خير مصداق لحديث
المصطفى ( ًص ) : " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " :
أحبها الناس لم تبذل
لهم ذهباً
لكنه الحب من ربي بلا ثمنِ
كانت متواضعة جداً ، و لقد درست في التاريخ عن
شخصيات زاهدة ، فلم أر الزهد يتمثل فيمن رأيت إلا فيها ! و رأيت انطباق تعريف الزهد فيها كما عرفه الإمام علي (
ع ) في نهج البلاغة قائلاً : " الزهادة قصر الأمل ، و الشكر عند النعم ، و
التورع عند المحارم " .
كانت كريمة جداً ، لا تقصر بمساعدة المحتاج فيما
تملكه ، و لو كانت أحوج إليه . فحين ملكت بضعة آلاف من الريالات أقرضتني إياها
لزواجي ، و حين أرجعتها أقرضتها لغيري عدة مرات !
أمي لها قصةٌ في
البذل نادرةٌ
فسل سني عمرها عن ذكرها الحسن
و سل جوارحها تنبيك
عن شأنها
في خدمة الأهل أو من عيشها الخشن
و الحديث عن صفاتها و أخلاقها ذو شجون ، فهي
كتلة من الأخلاق و الصفات الجميلة .
تقواها و عبادتها
كان
لها في عبادتها لها من اسمها نصيب ، فهي البتلاء المتبتلة ، العابدة ، تقوم جزءاً
من ليلها بصلاة الليل ، و النوافل ، و الصلوات المستحبة ، ثم تنام ، فتستيقظ قبيل الفجر فتنشغل بصلاة الفجر ، و
غيرها من العبادات ، ثم تستمع للمحاضرات الإسلامية من مذياعها الذي ترعاه أكثر من
نفسها .
كل الأماكن لا زالت
تسائلني
عن صوت مذياعك المبحوح يا أمي
و هي
الموالية للأئمة الأطهار ( ع ) ، فقد كانت قارئةً حسينية ، تقيم المآتم في
منزلها ، تبيت طاويةً و لا تقطع مأتمها مهما كانت ظروفها ، و هي من أسست مأتم يوم
السبت في منزلنا ، فكانت غرفتها حسينية .
و لله الحمد زارت الأئمة الأطهار عدة مرات
تقريباً ، و قد جددت جوازها عام 1408 لزيارة الحسين ( ع ) ، و للأسف انتهى و جددته مرة أخرى و لم تتمكن من الزيارة .
كانت
تصوم رمضان كاملاً ، و بعض أيام المناسبات مع أن الطبيب رخص لها بالإفطار ! و لله
درها حيث برنامج يومها كله عبادة و طاعة .
المعاناة و الألم و الصبر
عانت – رحمها الله –
من أمراض مزمنة ، مثل : الضغط ، و القلب ، و حموضة المعدة لسنوات طويلة جدا ، و في
الأشهر الأخيرة قبيل وفاتها تعبت جداً ، فرفضت مراجعة المستشفى ! ربما لخوفها من
التنويم ، و هي التي طالما ترددت على الأطباء . و أتوقع أن سبب ذلك حياؤها الشديد
و خفرها ، وربما أنها أدركت أنه لا فائدة من علاجها ، و أنها الأيام الأخيرة لها .
و في يوم 5 / 11 / 1422 ازدادت حالتها سوءاً ، فنقلت
بالإسعاف إلى مجمع البابطين للقلب ، و نوِّمت في العناية المركزة ؛ لإصابتها
بالتهاب رئوي ، و عدم قدرتها على الكلام ، فكنا نزورها يومياً ، و كذلك يزورها محبوها و
أهلها من الأحساء و الدمام . و في صباح
الجمعة 3 / 12 / 1422 أسلمت الروح لبارئها :
قد أقر الطبيب عنك
بعجزٍ
و تقضَّى تردد العواد
و انتهى اليأس منك ،
و استشعر الوج ...
دُ بأن لا معاد ، حتى المعاد
هجد الساهرون ، حولك
للتم ...
ريض ، ويحٌ لأعين الهُجَّاد
فأخذناها إلى الأحساء لدفنها هناك تنفيذاً
لوصيتها ، فشيعها حشد كبير إلى مثواها الأخير في مقبرة الخدود .
يا حامل النعش رفقاً
أنت لا تدري
امكث هنا لحظةً بالنعش لا تجري
لو تعلمون نسجتم
حولها ذهباً
و النعش رصعتمُ بالجوهر الحر
و كانت فاتحتها أربعة أيام ‘ وقد خصصت بضعة آلاف لفاتحتها منذ سنوات طويلة
؛ لأنها لا تريد أن تثقل على والدي رحمه
الله .
آه ما أقسى الموت فجعنا برحيلها ! آه ما أقواه
أخذ جوهرتنا و عميدتنا ، و جعلنا نبكيها دماً و ليس دمعاً ! يا ليته قبل بالفدية و
تركها لنا ، لكن هيهات فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون :
و لو أن هذا الموت يقبل فديةً
فديناه أموالاً كراماً و أنفساً
لله در حبيبة الجميع رحلت بعد عمر طويل عمرته
بالطاعة و الإيمان و الولاء ، و لم يتخلف أحد عن تشييعها ، لا يبكونها فقط ، لكنهم
يبكون فيها قيماً تتساقط أوراقها ، و أخلاقاً تذبل في خريف الحياة ، و حياءً يُقتل
يومياً في زمن الانترنت و التواصل الالكتروني .
لعمرك ما وارى التراب
فعاله
و لكنما وارى ثياباً و أعظما
كانت نسيج وحدها ، امرأة بمعنى الكلمة ، مجيدة
، مدبرة ، قيادية . كانت أماً للجميع و صديقتهم ، يشكون إليها همومهم ، و يرتاحون
لسماع سوالفها ، و لا يملون من جلستها مهما طالت ، تضحك و تمزح معهم ، و لا تحقد
على أحد أخطأ عليها ، و إذا زعلت على أحد سرعان ما ترضى . هي من بقية السلف قل نظيرها ، و قل ما
يجود الدهر بمثلها كأنها ليست من النساء !
و لو كان النساء كمن
فقدنا
لفضِلت النساء على الرجال
بعد وفاة زوجة أبي أم أحمد تولت تربية إخواني
، و رعايتهم ، و الاهتمام بهم ، فعوضتهم عن أمهم خيراً . إن حزننا عليها لم ينفك ،
فقد رحلت بجسدها ، و لا زالت تتربع على عروش قلوبنا بروحها النقية و نفسها الجميلة
، و سنبقى نفتقدها و نتذكرها :
أعاني بالفراق أسى
و أذكرها صباح مسا
حين مات إبراهيم ابن حبيبنا و شفيعنا محمد (
ص ) لم يخف – فداه نفسي و أمي و أبي -
مشاعره أمام أصحابه فقال : " إن العين تدمع ، و القلب يحزن ، و لا
نقول إلا ما يرضي ربنا ، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " . و نحن نقول في
مصيبتنا مثله ، فإنا لله و إنا إليه راجعون .
لقد تركت بصمة في حياتها ، و بصمات عظيمة في
الآخرين ، فكانت بركة منزلنا ، و بسببها كان بيتنا عامراً بالزوار :
كأنك من كل النفوس
مركب
فأنت إلى كل الأنام حبيب
أم
صالح ، سنبكيك دمعاً ، و نتذكرك ألماً ، و نفتقدك شوقاً ، و نرجوك بين طيات الأيام
، و سنكتبك فقداً ، و سنبكيك ضعفاً و عجزاً من تغيير القدر برجوعك إلينا ، فلله ما
أخذ ، و له ما أعطى ، و كل شيء عنده بأجل مسمى .
إن
عزاؤنا أنها باقية في قلوبنا بقيمها ، و أخلاقها الجميلة ، و روحها المؤمنة ، ثم
بالبقية الباقية منها عمتي أم مسلم - أطال
الله عمرها – و بأسباطها المتنافسين في حبها " فيا أيتها النفس المطمئنة .
ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في
عبادي . و أدخلي جنتي " . و حسبها
أنها رحلت إلى رب رحيم ، فالسلام عليها يوم ولدت ، و يوم ماتت ، و يوم تبعث حية .
الفاتحة
حفيدها علي صالح الفهيد
جمادى الأولى 1437