السبت، 29 ديسمبر 2018

الذكرى الخامسة لرحيل زكريا علي الحرز

خمس سنوات مرت على رحيلك يا ابا عدنان فما اقصرها في عمر الزمن و ما اطولها في عمر الاحزان .
   آه على رحيلك يا صاحب الابتسامة الجميلة و الضحكة المشرقة 
  خمس سنوات و انت يا زكريا بعيد عنا بجسدك و قريب بروحك 
و لا زلت تعيش في قلوبنا 
  فاهنأ انك رحلت و نحن نحبك و عزاؤنا انك رحلت الى رب رحيم 
فالسلام عليك يوم ولدت و يوم مت و يوم تبعث حيا 
الفاتحة مع الصلاة على الني و آله 
المفجوع برحيلك 
علي الفهيد 
٢١ ربيع الاخر ١٤٤٠

الذكرى التاسعة عشر لرحيل خالي عبد المحسن الحرز




آه ... يا خالي عبد المحسن الحرز تسع عشرة سنة مرت اليوم على رحيلك و كأنها الأمس !
   تسعة عشرة عاما مرت مر السحاب فما أقصرها في عمر الزمن و ما أطولها في قلب إنسان فقد حبيبا هو أنت يا خالي ! تسع عشرة سنة ما أقساها علينا !
    خالي الجميل يا صنو نفسي أتذكرك بالأمس تصحو قبيل الفجر فتغذ الخطى بسكينة نحو مسجد آية الله الشيخ محمد الهاجري ( قدس الله سره ) فلله درك لم تترك صلاة الجماعة إلا بعذر قاهر !
     بالأمس رأيتك تذهب ماشيا متفائلا نحو منجرتك المتواضعة لم تتحجج بطول المسافة و لا عدم توافر سيارة تقلك .
    رحمك الله يا من لم تترك مناسبة فرح تدعى لها إلا و لبيتها , و لم تسمع بميت إلا و شيعته و حضرت فاتحته . رحمك الله يا من وصلت رحمك و لو قطعوك .
   رحمك الله يا جميل المحيا و يا جميل المعشر , فنم بسلام تحوطك تقواك و يحفك عملك الصالح و انك عند رب رحيم .
و السلام عليك يوم ولدت و يوم مت و يوم تبعث حيا .
    ابن اختك علي صالح الفهيد
  21 ربيع الآخر 1440

الثلاثاء، 2 أكتوبر 2018


               بمناسبة اليوم الوطني 88 
                   وطني ... قد شغفني حباً
     في يومنا الوطني الثامن و الثمانين يحق لي زيادة نسبة  غزلي و عشقي له ، و التشبب فيه ، فهذا غزل و عشق محمود  لا يعاب فيه أحد ، و لا يعيبه إلا من في قلبه مرض  ! و لا تلمني في ذلك فقد شغفني حبا جماً ، لا يضاهيه حب زليخة ليوسف عليه السلام ! فحبه من الإيمان و عشقه واجب و دين علي .
     وطني ليس قطعة أرض  غنية بالذهب الأسود في خارطة العالم ، تحدها حدود ، و ليس مأوى تضمنا على ثراه ، و ليس كنزاً نقتات منه ، و ليس اسماً نردده و نتغنى به في نشيده الوطني في مدارسنا كل صباح ! إنه أكبر من ذلك و أكثر . إنه علامة فارقة في خارطة الدنيا و واسطة عقدها . إنه الكلمة الطيبة التي تجمعنا على سواء ، أصلها ثابت  حباً ، و ولاً له ، و فرعها في السماء . إنه قبلة يتجه إليها المسلمون في صلاتهم . و هو السلام و الأمان الذي نتفيأ ظلالهما ، و هو أواصر الوحدة التي تربط شرقه بغربه ، و شماله بجنوبه و توحد جهاته الأربع بأواصر الإسلام ، و اللغة ، و القربى . و هو الأمل الذي نعيش به  فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل !
    في وطني مميزات جد كثيرة ، فيه أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً و هدى للعالمين . فيه المسجد الحرام ، و زمزم و الحطيم ، و الركن و المقام ، و الحجر و الصفا و المروة ، و الثرى الذي وطأته أقدام خير الورى محمد المصطفى ( ص ) .
      فيه مسجد خير من دعا الناس في الطائف ، و فيه قبره الشريف ، و بقيعه المنيف الذي احتضن صحابته الميامين ، الأنصار و المهاجرين خير القرون ، و الأئمة ( ع ) أصحاب الحق المبين ،  و التابعين بإحسان إلى يوم الدين .
     وطني عبق التاريخ و رحيقه ، تاريخ انطلاق الدعوة المحمدية ، دعوة السلام و الأمن  و الأمان ،  تاريخ  أول دولة إسلامية ، دولة الرسول ( ص ) التي حملت مشاعل الهداية للعالم . إن نصاعة تاريخه رد مفحم على الذين أنكروا حضارته و تاريخه ! و يكفيه فخراً أن إبراهيم عليه السلام دعا له : " رب اجعل هذا بلداً آمناً و ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله و اليوم الآخر  " ، و رفع قواعد البيت العتيق  ، و أقسم الله – عز و جل -   بالبيت المعمور المزدان  بالركع السجود .
     وطني لا يوم  كيومه الوطني ، فحين ولد ما يسمى بالربيع العربي في بعض الدول العربية صار صيفاً لاهبا  في بعضها ، و حريقاً في بعضها ، و أزهر في وطننا ، و أينعت ثماره أمناً و تمسكاً بوحدته و قيادته ، و علا صوته ، و هدأت الأصوات الناشزة من المتطرفين و الإرهابيين  و التكفيريين . لقد علمنا الوطن أنه في شدائده تخسأ شياطين الغدر ، فلا تسمع لهم همساً ،  فلا نقيم لهم وزناً .
     حل يومنا الوطني الثامن و الثمانون و نحن  في أمن و رغد و سعة من العيش في منطقة تغلي كغلي المرجل ، و تضطرب و تكتوي بحروب أهلية ، و مشكلات لا تحصى ، و أحزاب و مليشيات يخربون بيوتهم بأيديهم ، و أيدي التدخل الخارجي ؛ ليبنوا دولاً أوهن من بيت العنكبوت ، فشر البلاد ما ليس فيه خصب و لا أمان .
     في وطني رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، و منهم من ينتظر ، و ما بدلوا تبديلاً  . رجال بنوه بالحب و العمل ، و دافعوا عنه بأرواحهم لا يخشون لومة لائم  . رجال عانوا من شظف العيش ، فضربوا في أصقاع الأرض ، فركبوا البحر ، و قطعوا الفيافي و القفار إلى الهند ، و العراق ، و الشام ، و غيرها التي كانت تنعم في بحبوحة من العيش قبل توحيد بلادنا . و حين ظهور النفط و طفرته تبدل الحال ، فأصبح يعيش بين ظهرانينا أكثر من عشرة ملايين مقيم ، " .
    و منذ اندلاع  الأزمتين السورية و اليمنية  استضافت بلادنا  ما يقارب المليونين و نصف المليون سوري ، و أكثر من نصف مليون يمني ، فأصبحت الثالثة عالمياً في العمل الإغاثي . و كما عم خيره  غيرنا فقد عمنا قبلهم ، فأصبح رزقنا في بلادنا ، و هذا من سعادة الرجل كما روي عن الإمام علي بن أبي طالب ( ع )  .
     يومنا الوطني رسالة حب و ولاء و انتماء للوطن و لقيادته الرشيدة ، و رسالة مشاركة في بنائه ، و دعوة لمن حاد عن طريقه من الإرهابيين و التكفيريين بالعودة عن غيهم ، و دخول خيمته ، و ركوب سفينة نجاته لعيش مشترك في ظل وطن متعدد الأطياف ، و المذاهب ، و الآراء ، و الأقاليم ، و القبائل على ثرى المملكة العربية السعودية .
       في يومنا الوطني حصحص الحق لمن أراد بنا ، و بوطننا سوءاً من الإرهابيين ، و المرجفين ، و غيرهم ، و أقول لهم :  إلى الله المشتكى ، فو الله لا تمحون ذكر وطننا ، و لن تميتوا حبنا له ، و هل رأيكم إلا فند ، و أيامكم إلا عدد ، و جمعكم إلا بدد ، فالحمد لله الذي أمننا فيه ، و ختم  لقتلانا بالشهادة   ، و سنفديه بأرواحنا ، و أنفسنا ، و أموالنا ، و أهلينا ؛ لنموت و يحيا شامخاً في ذرى المجد و العلياء ، فوطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه . و لله در غازي القصيبي – رحمه الله - حين أنشد :
أجل نحن الحجاز و نحن نجد
هنا مجد لنا و هناك    مجد
و نحن جزيرة العرب افتداها
و يفديها غطارفة و أسد
و نحن شمالنا كبر أشمَّ
و نحن جنوبنا كبرٌ أشد
و نحن عسير مطلبها عسير
و دون جبالها برق و رعد
و نحن الشاطئ الشرقي بحر
و أصداف و أسياف و حشد
   علي صالح الفهيد
2 / 10 / 2018
22 / 1 / 1440

الثلاثاء، 14 أغسطس 2018


                خير النساء و أزهدهن   
     نعيش بين أبنائنا ، و أهلنا ، و أقربائنا ، و معارفنا  ، نزورهم و يزوروننا فنكحل أبصارنا برؤيتهم ، و نشنف آذاننا بمعسول كلامهم ، و نتبادل معهم المنافع و المصالح ، و نشاركهم أفراحهم و أتراحهم ، فنشعر بسعادة غامرة معهم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي الذي أصبح فيه الاجتماع بالآخرين كأنه ضرب من الخيال ، محدد بمواعيد ، و معقد بأمور فرضتها المدنية الحديثة !
     و قد نقصر في رؤية أحبابنا ، فلا نشعر إلا و قد اختطفتهم أيدي المنون على حين غرة ، فنلوم أنفسنا أننا قصرنا في زيارتهم ،  ولم نلق عليهم حتى النظرة الأخيرة .    
    و من أصعب من يفتقدهم الإنسان أبناءه  ، و والديه ، و أجداده ، و إخوانه .... ففي الثالث من ذي الحجة لعام 1422 الموافق للخامس عشر من فبراير لعام 2002 عرجت روح خير النساء العابدة الزاهدة ،  جدتي من أبي أم صالح الفهيد الحاجة بتلة حسن علي الشاوي لبارئها، و حسبها أنها توفيت يوم الجمعة الذي قيل عنه في الأمثال : " يحسدون الفقير على موتة الجمعة " . و روي عن فضل الوفاة فيه حديثاً رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) أنه قال : " ليلة الجمعة ليلة غرَّاء ، و يومها يوم أزهر ، من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من ضغطة القبر ، و من مات يوم الجمعة كتب الله له براءة من النار " . من لا يحضره الفقيه _ الجزء الأول . و كذلك الحديث الذي رواه الترمذي و الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : " ما من مسلم يموت يوم الجمعة ، أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر " .
     يقال أن ألم الفقد يخف مع الزمن ، و أن الوقت يداوي الجروح ، و هيهات ذلك مع ألمي و جرحي لفقدها ، حيث مرت خمس عشرة سنة و أنا عاجز عن الكتابة عنها ، و لو سطراً واحداً ، فما أن أمسك قلمي حتى تنهمل دموعي و تجمد يدي !  و هذه هي المرة الأولى التي استطعت فيها هزيمة نفسي بتدوين هذه القراطيس :
جئت أبكيك لم أجد من دموعي
      ما يوفَّى به المصاب ُ الأليمُ
فنثرت الفؤاد عندك    حزناً
    فإذا دمعتي الدم     المسجومُ
    و لا أبالغ إذا قلت : أنني إذا هجرت قبرها شهوراً  أراها في منامي  ، و كأن رؤيتها عتاب ! و ما أن تطأ قدماي الأحساء حتى أتشرف بزيارة قبرها ،  و قراءة سورة ياسين خصوصاً التي كانت ترددها دائماً :
لعمري ما وارى التراب فعاله
      و لكنما وارى ثياباً و أعظماً
   ما أكتبه هنا ليس رثاءً أ، و تأبيناً متأخراً ، أو تكفيراً  عن التقصير في حقها ، لكنه حلم يشبه الرثاء :
و أكبر أن يرثيها لساني
     بلفظ سالك طرق الطعام
مضت و قد اكتهلت و خلت أني
   رضيعُ ما بلغت مدى الفطام
     الجدة أم ثانية تحِن على أحفادها أكثر من الوالدين أحياناً ، و طالما اشتكى الآباء و الأمهات من تدليل  و تدليع أبنائهم من قبل أجدادهم و جداتهم ، و مثال ذلك أنشودة أمير الشعراء عن جدته :
لي جدة ترأف بي
    أحنى علي من أبي
و كل شيء سرني
     تذهب فيه مذهبي
إن غضب الأهل علي
    كلهم لم تغضب
    و هذه قصة إمبراطور الشعراء المتنبي مع جدته لأمه ، فقد يئست منه لطول غيبته ، فكتب لها كتاباً يسألها المسير إليه في بغداد ؛ لعدم استطاعته ، فلما وصلها كتابه قبَّلته ، و حُمَّت من وقتها لما غلب عليها من السرور فماتت ، فكتب قصيدته يرثيها و منها :
لكِ الله من مفجوعة ٍ بحبيبها
   قتيلةِ شوقٍ غير مُلحِقِها وصما
أحنُّ إلى الكأس التي شربِت بها
   و أهوى لمثواها التراب و ما ضما
بكيت عليها خيفةً في حياتها
   و ذاق كلانا ثُكل صاحبه قِدما
أتاها كتابي بعد يأسٍ و ترحةٍ
   فماتت سروراً بي فمتُ بها غما
   و كذلك رثى أحمد شوقي جدته بقصيدة منها هذه الأبيات التي تنطبق على جدتي رحمها الله :
صلاة الله يا ( بتلاء ) تجزي
     ثراكِ عن التلاوة و الصلاةِ
و عن تسعين عاماً كنت فيها
     مثال المحسنات الفضلياتِ
برزت المؤمنات فقال كلُّ  :
    لعلكِ أنتِ أم  المؤمناتِ
و كانت في الفضائل باقياتٌ
      و أنت اليوم كلُّ الباقيات
  نشأت – رحمها الله – في بيت والدها حسن  – رحمه الله – في عز و رخاء حيث كان يملك مزرعةً و بعض العقار . ثم تزوجت جدي علي أحمد الفهيد ، فأنجبت منه عشرة ، مات خمسة منهم في صغرهم ، و عاش خمسة . و قد عانت من تقلبات الزمن بدءاً من موت والديها ، و  معاناتها من شظف العيش ، مثل عامة الناس قبل طفرة النفط . ثم عانت من مرض عينيها ، فتعالجت في البحرين و فقدت بصرها ، و قلع إحدى عينيها ، و كذلك تكسر بعض أضلاعها إثر سقوطها من سطح منزلها ، ثم  إصابتها  بأمراض مزمنة ، مثل : الضغط ، و القلب ، و حموضة المعدة إلى آخر عمرها  ، فصبرت صبرا جميلاً محتسبة الأجر من الرحمن .
     قال حافظ إبراهيم أن الأم مدرسة ،  لكن المرحومة  كانت جامعة ، جمعت حولها أبناءها ، و أحفادها ، و أقاربها ، و معارفها ، تسأل عنهم و تتصل عليهم ، و تزورهم ، و تنام عندهم أحيانا ، و بيتها مفتوح للزيارة بدون مواعيد ، و كذلك يزورها أقرباؤها من الأحساء  خصوصا ابنا أختيها جواد علي الحرز ، و جواد علي الحويجي رحمهما الله .
    أتساءل ماذا قدمت لهم حتى أحبها القاصي و الداني ، القريب و البعيد حباً جماً، و هي لا تملك من حطام الدنيا إلا ما يكفيها ، و غيرها يملك الملايين و لم يستطع أن يجذب نحوه أولاده أو حتى زوجته ؟
     إنها بعد توفيق الله أحبتهم في الله ، و وسعتهم بأخلاقها ، و إذا  أحب الله عبداً  حبَّب إليه قلوب عباده ، فكانت خير مصداق لحديث المصطفى ( ًص ) : " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " :
أحبها الناس لم تبذل لهم ذهباً
     لكنه الحب من ربي بلا ثمنِ
   كانت متواضعة جداً ، و لقد درست في التاريخ عن شخصيات زاهدة ، فلم أر الزهد يتمثل فيمن رأيت إلا فيها ! و رأيت  انطباق تعريف الزهد فيها كما عرفه الإمام علي ( ع ) في نهج البلاغة قائلاً : " الزهادة قصر الأمل ، و الشكر عند النعم ، و التورع عند المحارم " .
    كانت كريمة جداً ، لا تقصر بمساعدة المحتاج فيما تملكه ، و لو كانت أحوج إليه . فحين ملكت بضعة آلاف من الريالات أقرضتني إياها لزواجي ، و حين أرجعتها أقرضتها لغيري عدة مرات !
أمي لها قصةٌ في البذل نادرةٌ
     فسل سني عمرها عن ذكرها الحسن
و سل جوارحها تنبيك عن شأنها
     في خدمة الأهل أو من عيشها الخشن  
  و الحديث عن صفاتها و أخلاقها ذو شجون ، فهي كتلة من الأخلاق و الصفات الجميلة .

              تقواها و عبادتها

      كان لها في عبادتها لها من اسمها نصيب ، فهي البتلاء المتبتلة ، العابدة ، تقوم جزءاً من ليلها بصلاة الليل ، و النوافل ، و الصلوات المستحبة ، ثم تنام  ، فتستيقظ قبيل الفجر فتنشغل بصلاة الفجر ، و غيرها من العبادات ، ثم تستمع للمحاضرات الإسلامية من مذياعها الذي ترعاه أكثر من نفسها .
كل الأماكن لا زالت تسائلني
   عن صوت مذياعك المبحوح يا أمي
     و هي الموالية للأئمة  الأطهار ( ع ) ،  فقد كانت قارئةً حسينية ، تقيم المآتم في منزلها ، تبيت طاويةً و لا تقطع مأتمها مهما كانت ظروفها ، و هي من أسست مأتم يوم السبت في منزلنا ، فكانت غرفتها حسينية .
     و لله الحمد زارت الأئمة الأطهار عدة مرات تقريباً ، و قد جددت جوازها عام 1408 لزيارة الحسين ( ع ) ، و للأسف  انتهى و جددته مرة أخرى و لم تتمكن من الزيارة .
     كانت تصوم رمضان كاملاً ، و بعض أيام المناسبات مع أن الطبيب رخص لها بالإفطار ! و لله درها حيث برنامج يومها كله عبادة و طاعة .

           المعاناة و الألم و الصبر

عانت – رحمها الله – من أمراض مزمنة ، مثل : الضغط ، و القلب ، و حموضة المعدة لسنوات طويلة جدا ، و في الأشهر الأخيرة قبيل وفاتها تعبت جداً ، فرفضت مراجعة المستشفى ! ربما لخوفها من التنويم ، و هي التي طالما ترددت على الأطباء . و أتوقع أن سبب ذلك حياؤها الشديد و خفرها ، وربما أنها أدركت أنه لا فائدة من علاجها ، و أنها الأيام الأخيرة لها .
    و في يوم 5 / 11 / 1422 ازدادت حالتها سوءاً ، فنقلت بالإسعاف إلى مجمع البابطين للقلب ، و نوِّمت في العناية المركزة ؛ لإصابتها بالتهاب رئوي ، و عدم قدرتها على الكلام ،  فكنا نزورها يومياً ، و كذلك يزورها محبوها و أهلها من الأحساء و الدمام . و في صباح  الجمعة 3 / 12 / 1422 أسلمت الروح لبارئها :
قد أقر الطبيب عنك بعجزٍ
       و تقضَّى تردد   العواد
و انتهى اليأس منك ، و استشعر الوج ...
      دُ  بأن لا معاد ، حتى المعاد
هجد الساهرون ، حولك للتم ...
   ريض ، ويحٌ لأعين الهُجَّاد
    فأخذناها إلى الأحساء لدفنها هناك تنفيذاً لوصيتها ، فشيعها حشد كبير إلى مثواها الأخير في مقبرة الخدود .
يا حامل النعش رفقاً أنت لا تدري
     امكث هنا لحظةً بالنعش لا تجري
لو تعلمون نسجتم حولها ذهباً
   و النعش رصعتمُ بالجوهر الحر
    و  كانت فاتحتها أربعة أيام  ‘ وقد خصصت بضعة آلاف لفاتحتها منذ سنوات طويلة ؛ لأنها لا تريد أن تثقل على والدي  رحمه الله .
     آه ما أقسى الموت فجعنا برحيلها ! آه ما أقواه أخذ جوهرتنا و عميدتنا ، و جعلنا نبكيها دماً و ليس دمعاً ! يا ليته قبل بالفدية و تركها لنا ، لكن هيهات فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون :
 و لو أن هذا الموت يقبل فديةً
      فديناه أموالاً كراماً و أنفساً
  لله در حبيبة الجميع رحلت بعد عمر طويل عمرته بالطاعة و الإيمان و الولاء ، و لم يتخلف أحد عن تشييعها ، لا يبكونها فقط ، لكنهم يبكون فيها قيماً تتساقط أوراقها ، و أخلاقاً تذبل في خريف الحياة ، و حياءً يُقتل يومياً في زمن الانترنت و التواصل الالكتروني .
لعمرك ما وارى التراب فعاله
   و لكنما وارى ثياباً و أعظما
  كانت نسيج وحدها ، امرأة بمعنى الكلمة ، مجيدة ، مدبرة ، قيادية . كانت أماً للجميع و صديقتهم ، يشكون إليها همومهم ، و يرتاحون لسماع سوالفها ، و لا يملون من جلستها مهما طالت ، تضحك و تمزح معهم ، و لا تحقد على أحد أخطأ عليها ، و إذا زعلت على أحد سرعان ما  ترضى . هي من بقية السلف قل نظيرها ، و قل ما يجود الدهر بمثلها  كأنها ليست من النساء !
و لو كان النساء كمن فقدنا
    لفضِلت النساء على الرجال
    بعد وفاة زوجة أبي أم أحمد تولت تربية إخواني ، و رعايتهم ، و الاهتمام بهم ، فعوضتهم عن أمهم خيراً . إن حزننا عليها لم ينفك ، فقد رحلت بجسدها ، و لا زالت تتربع على عروش قلوبنا بروحها النقية و نفسها الجميلة ، و سنبقى نفتقدها و نتذكرها :
أعاني بالفراق أسى
    و أذكرها صباح مسا
     حين مات إبراهيم ابن حبيبنا و شفيعنا محمد ( ص ) لم يخف – فداه نفسي و أمي و أبي -  مشاعره أمام أصحابه فقال : " إن العين تدمع ، و القلب يحزن ، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا ، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " . و نحن نقول في مصيبتنا مثله ، فإنا لله و إنا إليه راجعون .
    لقد تركت بصمة في حياتها ، و بصمات عظيمة في الآخرين ، فكانت بركة منزلنا ، و بسببها كان بيتنا عامراً بالزوار :
كأنك من كل النفوس مركب
   فأنت إلى كل الأنام حبيب
   أم صالح ، سنبكيك دمعاً ، و نتذكرك ألماً ، و نفتقدك شوقاً ، و نرجوك بين طيات الأيام ، و سنكتبك فقداً ، و سنبكيك ضعفاً و عجزاً من تغيير القدر برجوعك إلينا ، فلله ما أخذ ، و له ما أعطى ، و كل شيء عنده بأجل مسمى  .
    إن عزاؤنا أنها باقية في قلوبنا بقيمها ، و أخلاقها الجميلة ، و روحها المؤمنة ، ثم بالبقية الباقية منها عمتي أم مسلم  - أطال الله عمرها – و بأسباطها المتنافسين في حبها " فيا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية مرضية .  فادخلي في عبادي . و أدخلي جنتي " .  و حسبها أنها رحلت إلى رب رحيم  ، فالسلام عليها  يوم ولدت ، و يوم ماتت ، و يوم تبعث حية .
     الفاتحة

 حفيدها علي صالح الفهيد
جمادى الأولى 1437