نشر المقال في جريدة الجزيرة (السعودية) يوم الجمعة 17 شوال 1437 الموافق 22 يوليو 2016
يدخل الطالب المدرسة تملؤه الفرحة و السعادة
، و تزيد إذا كانت مدرسته جاذبة بكل معنى الكلمة ، و العكس صحيح . و حين يتكاسل عن
الذهاب إليها ، و يطلب الغياب نغير رأيه ترغيباً و ترهيبا . و كم مرة قال أحد أبنائنا
بأنه سيغيب ؛ لأنه مل من المدرسة و الدراسة ، و قد يغيب
يومين أو أكثر فتداهمه جيوش الملل من الوحدة ، و إدمان الإنترنت و الألعاب
الإلكترونية ، فيقطع غيابه صاغرا و هو حسير !
تمر سنوات دراستنا ، و نحن نتملل منها ، و نفكر
بالغياب أحيانا ، و أثناء الحصص ننظر إلى ساعاتنا باستمرار ، و نفرح كثيرا إذا
أشرقت شمس الأربعاء ( سابقا ) أو أشرقت شمس الخميس ( الآن ) ، و نحبس أنفاسنا إذا
انخسف قمر ليلتي الجمعة أو السبت ، و طالما حدثنا أنفسنا قائلين : أف .... متى
تنتهي الدراسة و نتخرج ؟ و نفرح أشد الفرح إذا أقبلت عروس العطلة الصيفية تجر
أذيالها ، و التي كانت أربعة أشهر متصلة ، و ها هي ستعود أربعة أشهر متصلة بعد ثلاثين سنة . و في السنوات
الأخيرة شاهدنا أبناءنا يفرحون بتعليق الدراسة ، و يحزنون إذا لم
تعلق ! و كأن سنوات الدراسة ليست من أعمارنا ، أو غير محسوبة منها .
للأسف ينظر الغالبية العظمى من طلابنا
للدراسة أنها عبء و هم ، و واجب يجب تأديته ؛ لأنهم لا يعطونها حقها الكافي من
الاهتمام ، و الجهد ، و الوقت غير مدركين مقولة : أن العلم لا يعطيك بعضه حتى
تعطيه كلك . و يعتبرونها وسيلة للحصول على الوظيفة فقط ، و يا ليتهم ينظرون إليها
نظرة أشمل ، أنها فريضة إسلامية ، و وسيلة للوظيفة و وسيلة لحل مشكلات الحياة .
في دراستي الجامعية أدركت أن أجمل سنوات
العمر هي سنوات الدراسة ، حتى لو كانت مدرستي غير جاذبة . فنحن على الأقل ندرس في مدارس ، و غيرنا يدرس في خيام ، أو تحت
السماء و بدون إمكانيات ، و يقطع الفيافي و القفار للوصول لمدرسته .
في المدرسة نطفئ نار الأمية لمستقبل أفضل ، و
نكتسب الأخلاق الإسلامية ، ونتعلم بعض مهارات الحياة ، و نلتقي بأصحابنا ، و أقراننا
، و أقلها أننا نصرف أوقاتنا فيما ينفعنا .
إن الطالب الذي يفكر بالوظيفة استعجالا ، أو
تخلصا من الدراسة يا ليته يعي أن حاله أفضل من الموظف ؛ لأنه مسؤول عن نفسه فقط ، و
عنده أم تطبخ طعامه ، و تغسل ثيابه ، و أب يوفر احتياجاته ، بينما الموظف مسؤول عن
نفسه ، و أسرته ، و عمله ، و ربما أهله ، و غيرها من المسؤوليات الجسام .
بعد كل سنوات الدراسة الطويلة ، أو المملة
على حد زعم أكثر طلابنا ، ما الذي يبقى منها في أنفسنا ، و حياتنا بعد تركها
بسنوات ؟ قد يقول قائل : بقيت علوم نافعة . و يقول آخر : بقيت ذكريات جميلة ، و
صداقات فقدتها بعد الدراسة . و قد يقول آخر : لا شيء سوى أنها عبء ، و معاناة ، و
ضرب ، و آلام سببها لي معلمون قساة !
إننا سننسى كثيرا من المعلومات التي درسناها
، و سيبقى في ذاكرتنا محفورا ألوان النشاط غير المنهجي : الرياضي ، و الفني ، و
الثقافي ، و غيرها الذي مارسناه في جمعيات
مثل : جمعية التربية الرياضية ، و جمعية التربية الفنية ، و غيرها . حيث كان
النشاط يجمع الممتاز و الضعيف ، و يهتم به
الجميع بعكس الدراسة التي لا يهتم بها المهمل .
حين انزوى النشاط غير المنهجي ضعفت جاذبية
تعليمنا ، و حين يعود بأسس تربوية فلن نرى طلابنا يتمللون ، أو يفكرون بالغياب ؛ لأنه
يكسر جمود الدراسة بممارسة هوايات يحبونها .
و مسك الختام أن أجمل سنوات العمر هي سنوات الدراسة
، و أن النشاط غير المنهجي يبقى محفورا
فينا أكثر من المعلومات التي درسناها .
علي صالح الفهيد
الأربعاء
4 / 8 / 1437












