الأحد، 31 يوليو 2016

خواطر دراسية بقلمي

نشر المقال في جريدة الجزيرة (السعودية) يوم الجمعة 17 شوال 1437 الموافق 22 يوليو 2016 
     يدخل الطالب المدرسة تملؤه الفرحة و السعادة ، و تزيد إذا كانت مدرسته جاذبة بكل معنى الكلمة ، و العكس صحيح . و حين يتكاسل عن الذهاب إليها ، و يطلب الغياب نغير رأيه ترغيباً و ترهيبا . و كم مرة قال أحد أبنائنا بأنه سيغيب ؛ لأنه مل من المدرسة و الدراسة ،  و  قد يغيب يومين أو أكثر فتداهمه جيوش الملل من الوحدة ، و إدمان الإنترنت و الألعاب الإلكترونية ، فيقطع غيابه صاغرا و هو حسير !
     تمر سنوات دراستنا ، و نحن نتملل منها ، و نفكر بالغياب أحيانا ، و أثناء الحصص ننظر إلى ساعاتنا باستمرار ، و نفرح كثيرا إذا أشرقت شمس الأربعاء ( سابقا ) أو أشرقت شمس الخميس ( الآن ) ، و نحبس أنفاسنا إذا انخسف قمر ليلتي الجمعة أو السبت ، و طالما حدثنا أنفسنا قائلين : أف .... متى تنتهي الدراسة و نتخرج ؟ و نفرح أشد الفرح إذا أقبلت عروس العطلة الصيفية تجر أذيالها ، و التي كانت أربعة أشهر متصلة ، و ها هي ستعود  أربعة أشهر متصلة بعد ثلاثين سنة . و في السنوات الأخيرة شاهدنا أبناءنا يفرحون بتعليق الدراسة ، و يحزنون  إذا  لم تعلق ! و كأن سنوات الدراسة ليست من أعمارنا ، أو غير محسوبة منها .
    للأسف ينظر الغالبية العظمى من طلابنا للدراسة أنها عبء و هم ، و واجب يجب تأديته ؛ لأنهم لا يعطونها حقها الكافي من الاهتمام ، و الجهد ، و الوقت غير مدركين مقولة : أن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك . و يعتبرونها وسيلة للحصول على الوظيفة فقط ، و يا ليتهم ينظرون إليها نظرة أشمل ، أنها فريضة إسلامية ، و وسيلة للوظيفة و وسيلة لحل مشكلات الحياة .
     في دراستي الجامعية أدركت أن أجمل سنوات العمر هي سنوات الدراسة ، حتى لو كانت مدرستي غير جاذبة . فنحن على الأقل  ندرس في مدارس ، و غيرنا يدرس في خيام ، أو تحت السماء و بدون إمكانيات ، و يقطع الفيافي و القفار للوصول لمدرسته .
    في المدرسة نطفئ نار الأمية لمستقبل أفضل ، و نكتسب الأخلاق الإسلامية ، ونتعلم بعض مهارات الحياة ، و نلتقي بأصحابنا ، و أقراننا ، و أقلها أننا نصرف أوقاتنا فيما ينفعنا .
   إن الطالب الذي يفكر بالوظيفة استعجالا ، أو تخلصا من الدراسة يا ليته يعي أن حاله أفضل من الموظف ؛ لأنه مسؤول عن نفسه فقط ، و عنده أم تطبخ طعامه ، و تغسل ثيابه ، و أب يوفر احتياجاته ، بينما الموظف مسؤول عن نفسه ، و أسرته ، و عمله ، و ربما أهله ، و غيرها من المسؤوليات الجسام .
    بعد كل سنوات الدراسة الطويلة ، أو المملة على حد زعم أكثر طلابنا ، ما الذي يبقى منها في أنفسنا ، و حياتنا بعد تركها بسنوات ؟ قد يقول قائل : بقيت علوم نافعة . و يقول آخر : بقيت ذكريات جميلة ، و صداقات فقدتها بعد الدراسة . و قد يقول آخر : لا شيء سوى أنها عبء ، و معاناة ، و ضرب ، و آلام سببها لي معلمون قساة !
     إننا سننسى كثيرا من المعلومات التي درسناها ، و سيبقى في ذاكرتنا محفورا ألوان النشاط غير المنهجي : الرياضي ، و الفني ، و الثقافي ، و غيرها  الذي مارسناه في جمعيات مثل : جمعية التربية الرياضية ، و جمعية التربية الفنية ، و غيرها . حيث كان النشاط  يجمع الممتاز و الضعيف ، و يهتم به الجميع بعكس الدراسة التي لا يهتم بها المهمل .
    حين انزوى النشاط غير المنهجي ضعفت جاذبية تعليمنا ، و حين يعود بأسس تربوية فلن نرى طلابنا يتمللون ، أو يفكرون بالغياب ؛ لأنه يكسر جمود الدراسة بممارسة هوايات يحبونها  .
    و مسك الختام أن أجمل سنوات العمر هي سنوات الدراسة ، و  أن النشاط غير المنهجي يبقى محفورا فينا أكثر من  المعلومات التي درسناها .
   علي صالح الفهيد
   الأربعاء
    4 / 8 / 1437



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق